حاورتها: دولة الحصباني – نسوان فويس
من عائلة يمنية مهاجرة إلى منصة القضاء في ولاية مسيسيبي الأمريكية، قطعت أسماء علي رحلة مهنية وإنسانية امتدت قرابة عقد من العمل في المحاماة، خصوصًا في قضايا الهجرة والدفاع عن الأشخاص الذين تشعر بأن أصواتهم في مجتمع كبير ومفتوح مثل المجتمع الأمريكي غير مسموعة.
تقول أسماء إن نشأتها بين الثقافتين اليمنية والأمريكية، منحتها قدرة على فهم الاختلاف وتقدير أبعاده وتأثيره على الفئات الأضعف، وإن مشاهدتها للظلم منذ سن مبكرة دفعها إلى اختيار القانون مهنة تستطيع من خلالها القيام بشيء عادل تجاه الفئات الضعيفة.
في أغسطس 2026، وصلت أسماء إلى السلك القضائي، في إنجاز تاريخي بوصفها أول أمريكية من أصول يمنية، وأول عربية أمريكية تتولى منصبًا قضائيًا في ولاية مسيسيبي وصولها إلى هذا المنصب لم يكن خاليًا من التحديات فقد أُثيرت موجة من الجدل والنقاش العام إثر تعيينها بسبب كونها امرأة مسلمة محجبة، قبل أن تجد دعمًا واسعًا من أفراد في المجتمع القانوني ومن أشخاص ينتمون إلى خلفيات وديانات وتوجهات سياسية مختلفة، دفاعًا عن حقها في الحرية الدينية.
في هذا الحوار تتحدث أسماء علي عن جذورها اليمنية، ومسيرتها من المحاماة إلى القضاء، وتجربتها مع قضايا المهاجرين، والتحديات التي واجهتها كامرأة مسلمة محجبة، كما تتحدث عن الأمومة والأسرة، وعن الدافع الشخصي الأعمق وراء رحلتها، والمتمثل بجعل والديها فخورين بها.
أنتِ ابنة عائلة مهاجرة يمنية ونشأتِ في الولايات المتحدة. كيف أثّرت هذه النشأة بين ثقافتين في اختياركِ القانون والعمل في المحاماة؟
نشأتي في عائلة مهاجرة يمنية وتربيتي في الولايات المتحدة منحني فرصة لتقدير الثقافتين وفهمهما هذا أولاً، فمنذ سن مبكرة، كانت مشاهدتي للظلم في المجتمع، وأحيانًا داخل النظام القانوني، دافعًا لي لأصبح محامية.
كنت أريد أن أدافع عن الأشخاص الذين شعروا بأن أصواتهم غير مسموعة، وأن أحمي الفئات الضعيفة، وأن أضمن أن يكون لكل شخص صوت يُسمع. هذه الرغبة هي التي شكّلت في النهاية مسيرتي المهنية وهويتي كمحامية وقاضية حالياً.
وصلتِ إلى القضاء بوصفكِ أول أمريكية من أصول يمنية تتولى منصبًا قضائيًا في ولاية مسيسيبي. ماذا يعني لكِ هذا الإنجاز؟ وكيف عشتِ لحظة حصولكِ على ثقة ودعم مجلس المدينة؟
بصراحة، ما زلت أشعر وكأنني أعيش حلمًا.
لكن بعد فترة قصيرة من تعييني، أصبح منصبي موضع نقاش عام لأنني امرأة مسلمة ترتدي الحجاب. في المقابل، حدث أمر استثنائي؛ فقد اجتمعت الأسرة القانونية وأشخاص من مختلف أنحاء ولاية ميسيسيبي، ومن خلفيات وأعراق وآراء سياسية وديانات مختلفة، للوقوف ضد التحيز والدفاع عن مبدأ الحرية الدينية.
طوال مسيرتي المهنية، حاولت دائمًا الدفاع عن الأشخاص الذين تعرضوا للظلم. وخلال هذه الفترة الصعبة، وقف الكثير من الناس إلى جانبي وفعلوا الشيء نفسه من أجلي.
هناك نوع من المفارقة في ذلك، لكنه ذكّرني أيضًا بأن اللطف والتعاطف والوقوف إلى جانب الآخرين يعود إلينا دائمًا بطرق غير متوقعة.
الطريق إلى القضاء لم يكن مهنيًا فقط، بل تخللته أيضًا تحديات مرتبطة بكونكِ امرأة مهاجرة. ما أبرز ما واجهته؟ وهل شعرتِ بأن عليكِ بذل جهد مضاعف لإثبات نفسكِ؟
بالتأكيد تشعر النساء في الغالب بضغط كبير لإثبات قدراتهن على التوفيق بنجاح بين العديد من المسؤوليات و المهام والالتزامات.
وبصفتي زوجة وأمًا لأربعة أطفال وصاحبة عمل ومحامية، والآن قاضية، تعلمت أنه بإمكانكِ تحقيق أهدافكِ دون التخلي عن هويتكِ أو عائلتكِ.
هذا التوفيق والاستمرار في النجاح، لا يمكنكِ القيام به بمفردكِ ويحتاج إلى نظام دعم قوي يصنع فارقًا كبيرًا، وبالفعل كان لعائلتي وزملائي ومجتمعي دور مهم في مساعدتي للوصول إلى هذه المرحلة.
علّمني عملي في قانون الهجرة أن كل قضية تمثل إنسانًا وعائلة وقصة، وتعلمت أن العدالة لا تتعلق فقط بتطبيق القانون، بل تتعلق أيضًا بمعاملة الناس بكرامة واحترام.
عملتِ لسنوات في قانون الهجرة، واطلعتِ عن قرب على قصص المهاجرين وتحدياتهم. ماذا أضافت هذه التجربة إلى فهمكِ للعدالة؟
علّمني عملي في قانون الهجرة أن كل قضية تمثل إنسانًا وعائلة وقصة، وتعلمت أن العدالة لا تتعلق فقط بتطبيق القانون، بل تتعلق أيضًا بمعاملة الناس بكرامة واحترام. نعم للقضاة دورًا مهمًا في ضمان تحقيق العدالة، لكنني أؤمن أيضًا بأن التعاطف يمكن أن يغيّر حياة الكثير من الناس.
كنت أريد أن أخدم مجتمعي، وفي الوقت نفسه أترك أثرًا إيجابيًا ذات معنى واستدامة في حياة الناس الذين يمّثلون أمام المحكمة.
كيف تنظرين إلى العلاقة بين هويتكِ اليمنية والعربية والمسلمة ودوركِ كقاضية؟ وهل ترين أن خلفيتكِ الثقافية تمنحكِ منظورًا مختلفًا تجاه المهاجرين والأقليات؟
أتاح لي العمل مع عملاء من أكثر من 50 دولة التعرف على ثقافات وتقاليد ووجهات نظر وأساليب تفكير مختلفة، تجربة وسّعت فهمي للناس، وعززت قدرتي على الاستماع والتواصل بفعالية معهم ومع قضاياهم.
في سياق متصل أؤمن بأن التعرف على الثقافات المختلفة لا يفرق بيننا، ولا يشتتنا، بل يجعلنا أكثر تعاطفًا وتفهمًا، ومنه أكثر قدرة على القيام بواجباتنا وخدماتنا نحو طالبي مساعدتنا.
ما الرسالة التي توجهينها للنساء العربيات واليمنيات تحديدًا، ممن قد يترددن في خوض مجالات مثل القانون والقضاء والخدمة العامة في البلدان التي يعشن فيها؟
إذا كنتُ أستطيع تحقيق ذلك، فأي شخص يستطيع تحقيقه.الأحلام ليست بعيدة المنال أبدًا، خاصة إذا كنتِ مستعدة للعمل من أجلها، ولذلك جداً أؤمن بهذه المقولة: “هي آمنت بأنها تستطيع، ولذلك فعلت”.
بمعنى لا تسمحي للخوف أو للصورة النمطية أو حتى لآراء الآخرين بأن تحجم طموحك وتحدد مستقبلكِ، ومهما كانت خلفيتكِ الاجتماعية عليكِ أن لا تقبلي أن يتم قولبتك أو تشكيليك بعيداً عن هدفك ومشروعك الشخصي.
ما الذي تخططين له في قادم الأيام، هل لديكِ حلم أو هدف جديد تسعين لتحقيقه؟
لطالما آمنت بأن علينا أن نعيش الحياة كل يوم بيومه، هذا الخط يخفف علي كثيراً من الضغط غير الضروري. ومع ذلك أسعى لتحقيق أهداف قصيرة المدى في الوقت الحالي، مثل تركيزي على خدمة مجتمعي بأفضل ما أستطيع.
صحيح أني لا أعرف بالضبط ما الذي يخبئه المستقبل، لكني مرتاحة لذلك ، لدي يقين أن حلماً آخر ربما يظهرفي طريقي.
كنا عديد بنات، الأمر الذي دفع بعض أفراد الجالية إلى التقليل من أهميتنا بالنسبة لوالديّ، وكأن إنجاب البنات أمر يدعو إلى خيبة الأمل، عندما كبرت لم أتقبل هذا التفكير أبدًا، وبذلت قصارى جهدي لتبديد هذه الصورة.
عندما تنظرين إلى الرحلة كاملة، من ابنة عائلة مهاجرة يمنية إلى منصة القضاء، ما اللحظة التي تعتبرينها نقطة التحول الأهم في حياتكِ؟
كانت أهم نقطة تحول في حياتي هي إدراكي أنني أريد أن أجعل والديّ فخورين بي .
كنا عديد بنات ، الأمر الذي دفع بعض أفراد الجالية إلى التقليل من أهميتنا بالنسبة لوالديّ، وكأن إنجاب البنات أمر يدعو إلى خيبة الأمل، عندما كبرت لم أتقبل هذا التفكير أبدًا، وبذلت قصارى جهدي لتبديد هذه الصورة التي تنتقص منا كفتيات، وتعويض والديّ عن كل دمعة ضحكة، وكل مشقة فرحة، وكل انتقاد مدح وفخر.
وكل ما حققته حد الآن كان، جزئيًا، وسيلة لتكريمهما.
لو أتيح لكِ أن تعودي إلى تلك الفتاة الصغيرة التي كانت تحلم يومًا بأن تصبح قاضية، ماذا ستقولين لها؟
استمري في الحلم، استمري في العمل ، ستصلين يوم من الأيام، و ستجعلين والديكِ فخورين بكِ بالقدر الذي يفوق خيالك.




