لبيب وريثة الطبيب:  أمرأة حاربت التهميش بالعطاء 

شارك المقال

سهير عبدالجبار 

قبل أن تعرف قرى الحجرية المستشفيات والمراكز الصحية كان المرضى يسلكون طرقاً جبلية طويلة ووعرة على ظهور الحمير، على أمل الوصول إلى منزل الطبيب، أحمد التختار، الطبيب الذي أُشتهر في الستينيات والسبعينيات، بتجبير الكسور وخياطة الجروح، ووصف الأدوية وتوفيرها،حتى أرتبط اسمه بالنجاة في تلك المنطقة النائية.

الطبيب المُخلص

لم يعرف الناس أين تعلم أحمد التختار الطب، لكنهم آمنوا بما رأوه بأعينهم، كان منزله يمتلئ بالمرضى الذين يقيم بعضهم أياما حتى يستعيد عافيته، ومع تزايد أعداد الوافدين أدرك أن يديه لم تعودا تكفيان فبدأ يبحث عمن يحمل معه عبء المهنة.

في ذلك الوقت لم يكن من السهل أن يسمح الآباء لبناتهم بالعمل إلى جانب رجل مهما بلغت مكانته، كانت الأعراف أقوى من الرغبة في التعلم، وكانت مهن مثل التمريض والقبالة محكومة بوصمة اجتماعية دنيا.

المساعدة السمراء 

وحدها (لبيب) فتاة يمنية سمراء، تنتمي إلى فئة المهمشين ، الفئة التي اعتاد أهل القرية أن يطلقوا عليها اسم (الأخدم). ذلك الانتماء الذي وضعها في مرتبة اجتماعية متدنية منحها على نحوٍ غير متوقع حرية لم تكن متاحة لغيرها، فبينما قيدت فكرة العيب بنات الأسر والقبائل وجدت (لبيب) طريقها إلى بيت أحمد التختار حيث بدأت رحلة مختلفة تماماً.

في ملحق مجاورلبيت الطبيب كانت (لبيب) تستقبل المرضى القادمين من قرى بعيدة تساعدهم وتراقب تفاصيل العلاج وتحفظ أسماء الأدوية، وتتعلم كيف تضمّد الجروح، وترعى النساء الحوامل، لم تكن تتلقى دروسا في قاعة بل كانت الحياة نفسها مدرستها وكان أحمد التختار معلمها الأول.

حّمل الراية 

ومع مرور السنوات أصبحت لبيب أكثر من مجرد مساعدة، إذ أتقنت القبالة والتمريض، واكتسبت من الخبرة ما جعل الطبيب يعتمد عليها في كثير من المهام حتى بدت كأنها الإمتداد الطبيعي لرسالته..

وعندما رحل أحمد التختار لم ترحل معه المعرفة.انتقلت إلى يدي لبيب التي أصبحت قابلة القرية وممرضتها كانت تعبر الأزقة والحقول كلما جاءها من يستغيث، تستقبل الأطفال إلى الحياة، وتداوي المرضى، وتقدم ما استطاعت من علاج في زمن كانت فيه الرعاية الصحية بعيدةعن معظم القرى.

فرضت لبيب نفسها كواقع،و أصبحت مقصدا لأهالي المنطقة ، بل تعلمت على يديها فتيات واصلن طريق القبالة والتمريض لتتحول المرأة التي دخلت بيت الطبيب تلميذة إلى حلقة وصل بين جيلين من المعرفة.

لم تترك لبيب كتابا يروي سيرتها، ولم تحمل شهادة تؤرخ لما تعلمته، لكن أثرها بقي حاضرا في ذاكرة القرية، وفي قصص الأمهات اللواتي أنقذتهن، وفي حياة أطفال كانت أول يد تلامسهم عند الميلاد يد امرأة لم يمنعها أصلها الاجتماعي من أن تصبح وريثة الطبيب أحمد التختار وحاملة رسالته الإنسانية

الحكم الاجتماعي

لكن المجتمع الذي وثق بيديها في أصعب لحظاته ظل يتردد في الاعتراف بها كاملة كان اسمها نادرا ما يذكر وحده إذ يسبقه دائما لقب الخادمة، وكأن عشرات السنين من الخدمة ومئات الأطفال الذين أبصروا النور على يديها، لم تكن كافية لتمحو كلمة عنصرية التصقت بها منذ ولادتها.

ومع ذلك لم تدخل لبيب في معركة لإثبات مكانتها، كانت تواصل عملها في صمت، تاركة لأفعالها أن تتحدث عنها، وحين يشتد المخاض أو يعلو أنين مريض كان الجميع ينسى الألقاب ولا يتذكر سوى الطريق المؤدي إلى بيت لبيب.

ربما لم تترك لبيب كتابا يروي سيرتها، ولم تحمل شهادة تؤرخ لما تعلمته، لكن أثرها بقي حاضرا في ذاكرة القرية، وفي قصص الأمهات اللواتي أنقذتهن، وفي حياة أطفال كانت أول يد تلامسهم عند الميلاد يد امرأة لم يمنعها أصلها الاجتماعي من أن تصبح وريثة الطبيب أحمد التختار وحاملة رسالته الإنسانية.

أثر باقٍ 

تتوقف أم أحمد، وهي إحدى نساء القرية اللاتي عاصرن لبيب قليلا، قبل أن تستعيد صورتها في الذاكرة ثم تقول لـ”نسوان فويس”: “كنا نناديها عندما تشتد بنا الحاجة ولم تكن ترد أحدا، كانت تدخل البيوت مطمئنة وتخرج وقد أعادت الحياة إلى أم أو طفل، لم نكن نفكر يومها من أي فئة جاءت كنا نعرف فقط أنها لبيب”.

وتضيف: اليوم عندما أتذكرها أشعر أن القرية لم تنصفها كما ينبغي، بقي البعض يناديها بلقبها القديم بينما كان الأجدر أن تذكرها باعتبارها المرأة التي حملت رسالة أحمد التختار بعد رحيله وساهمت في إنقاذ وتطبيب حياة أجيال كاملة.

ربما رحلت لبيب دون وسام أو شهادة لكن أثرها بقي في بيوت القرية، وفي ذاكرة النساء اللواتي وجدن في يديها طمأنينة لا تزال حاضرة حتى اليوم، فبعض الناس يورثون أبناءهم المال أما لبيب فقد ورثت الناس حياة أكثر أمانا وتركت خلفها إرثا من الإنسانية أكبر من كل الألقاب.

مقالات أخرى