الثقافة ليست ترفاً .. وحماية الفن والتراث فعل حياة ووسيلة مقاومة

شارك المقال

حاورتها: دولة الحصباني

يبدو الحديث عن  الحراك الثقافي والفني في اليمن، البلد الواقع تحت نقيضي الغنى الحضاري، والصراع المستمر، ترفًا لا يتحمله الواقع، وتغريداً خارج سرب احتياجات الإنسان اليمني الأكثر إلحاحًا.

ظاهرياً هذا التصور هو الأكثر واقعية بالنظر للوضع العام، لكن بنظرة أعمق؛ تأجيل الفعل والحراك الثقافي يعني خسارة :التراث، الفنون، الذاكرة، مساحات التعبير والإبداع، وحتى الوعي المفترض الذي يحتاجه المجتمع لفهم نفسه وتاريخه، وهي خسارات لا يمكن استعادتها بسهولة.

سيرة ذاتية لنجاح خلاق 

 شروق الرمادي التي حرصت نسوان فويس على الحوار معها، كفاعلة، وواحدة من الأبطال الذين يجاهدون لإبقاء الثقافة حاضرة في المشهد العام، ترى أن الثقافة – بالفعل – ليست قطاعًا هامشيًا يمكن أن يأتي بعد السياسة والاقتصاد، بل قوة ناعمة ومساحة للحياة، وربما وسيلة لمقاومة العنف والاحتراب.

الرمادي، خريجة الهندسة المعمارية والتخطيط البيئي من جامعة حضرموت عام 2020، لم تبدأ مسيرتها مع الثقافة من مؤسسة حضرموت، المؤسسة التي برزت فيها لاحقاً وحققت حضوراً ملموساً يُرى ويُلمس. بل كانت بداياتها أبكر في هذا المجال إبتداءاً بالتطوع، الذي دخلت إليه العام 2017، متنقلة بين مبادرات ومشاريع ثقافية وخيرية مثل : “أنثى للخير” و”براعم للخير”، قبل أن تؤسس نادي “تكوين” الثقافي، المهتم بإحياء التراث والحفاظ عليه وتقديمه بصورة تعكس عظمته.

“كنت فنانة أمارس الفن، وأصبحت الآن أديره وأسعى أن يظل متقداً  وحاضراً، و اشتغالي في الثقافة ليس مجرد شغل  روتيني ، وإنما شغف وحب للمجال ولكل ما يتضمنه و يحويه” 

إلى أن وصلت حالياً لمنصب المدير التنفيذي لمؤسسة حضرموت للثقافة، إلى جانب عملها كباحثة وكاتبة واستشارية في مشاريع ثقافية عدة، وهي أيضاً فنانة تشكيلية، وإن كان الجانب الإداري قد أبعدها عن ممارسة الفن مباشرة -حد تأكيدها- وهي فوق كل هذا أم لثلاثة أطفال تحرص أن توائم بين هذه الالتزامات مجتمعة. 

تقول الرمادي إن التحول من الفنانة التي تمارس الفن كهواية وشغف، إلى المديرة التي تدير الفن، لم يكن ابتعادًا عن الثقافة بقدر ما كان انتقالًا إلى موقع آخر داخل هذا المجال الذي تتجسد من خلاله مفهوم الهوية والإنتماء: ” كنت فنانة أمارس الفن، وأصبحت الآن أديره وأسعى أن يظل متقداً  وحاضراً، و اشتغالي في الثقافة ليس مجرد شغل  روتيني ، وإنما شغف وحب للمجال ولكل ما يتضمنه و يحويه “.

من التطوع لرأس الهرم 

كان التطوع هو المدرسة الأولى الذي تعلمت منه شروق معنى الإسهام والعطاء في الشأن العام. إذ لا تنظر إليه كمحطة عابرة، بقدر ماهو تجربة أسهمت في تشكيل وصقل شخصيتها ومهاراتها.

ترى الرمادي أن ما يبدو في سيرتها المهنية انتقالًا بين مجالات مختلفة، ماهو إلا عودة متكررة إلى نقطة واحدة تسمى (الثقافة) :” مهما ذهبت إلى مجالات أخرى، أعود إلى الثقافة دائمًا.

ومع اتساع مسؤولياتها المؤسسية، وما تخلل ذلك من أنشطة ومؤتمرات تُعنى بالثقافة، انقطعت شروق عن الممارسة الفنية المباشرة، لكنها بقيت محاطة بالفنانين والمبدعين، تستمع إليهم وتقرأ لهم وتحضر فعالياتهم وتدعوهم وتُعرف بهم :” أنا كفنانة، محاطة ببيئة فنية، وأعمل مع فنانين؛ أستمع إليهم، أقرأ لهم، وأحضر فعالياتهم، كل ذلك يحفزني  على الإجادة والإبداع  في لإدارة نفسها”.

تؤكد على أن الإدارة ليست نقيضًا للإبداع، إذ أن المؤسسة نفسها تتحول إلى مساحة إبداعية: “بالنسبة لي ولفريق العمل، فالمؤسسة عبارة عن مساحة يرغب الجميع في الانضمام إليها، ندير فيها الفنون والثقافة ونعمل على المشاريع ذات الصلة”.

ولا تعتبرالرمادي نفسها في منافسة مع نظرائها من الرجال، كونها امرأة تدير مؤسسة ثقافية بهذا الحجم في سياق اجتماعي محافظ نسبيًا :” كل إنسان يركز في مجاله” وإن كانت لا تنفي وجود مقارنات، لكنها تستند إلى تجاربها السابقة في منظمات مدنية، وثقافية أعدتها لهذا الدور، لذلك فهي ليست مطالبة بإثبات شيء شخصيًا.

ولادة “حضرموت للثقافة”…

تقول الرمادي أنها لم تكن موجودة عندما بدأت فكرة مؤسسة حضرموت للثقافة، إذ انضمت إليها بعد تأسيسها بنحو ستة أشهv، وتولت منصب المدير التنفيذي بعد مدير تنفيذي سابق.

مشيرة إلى أن جذورالمؤسسة تعود إلى عام 2013، عندما أقيم الحفل الأول للأوركسترا الحضرمية في ماليزيا بقيادة المايسترو محمد القحوم.

كان العرض بمثابة نقطة انطلاق لفكرة أكبر لدى رئيس مجلس المؤسسين الشيخ عبدالله بقشان متمثلة بخلق حراك ثقافي استراتيجي يتجاوز الحفل نفسه. استغرق تأسيس المؤسسة نحو عامين، قبل أن ترى النور رسميًا في ديسمبر/كانون الأول 2021.

 

وتنوه الرمادي إلى أن المؤسسة بدأت بثلاثة أقسام هي: الموسيقى، والمسرح، والأدب، وبعد أربع سنوات، توسعت لتضيف البرامج العامة والفنون البصرية. والأهم -بحسب الرمادي- أن المؤسسة مرخصة من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ووزارة الثقافة والسياحة، وطبيعة هذا الترخيص يتيح لها العمل على المستوى الوطني وفي مختلف محافظات الجمهورية.

لكن الطموح لا يتوقف عند الانتشار الجغرافي،  فرؤية (حضرموت للثقافة) تقوم على ” تحقيق الرقي في كافة المجالات الثقافية في المحافظة والوطن بشكل عام، بل حتى الوصول إلى العالمية”.

تشدد شروق على أهمية المحافظة على الثقافة المحلية والوطنية ونشرها وتطويرها، وتستعيد في هذا السياق وصفًا أطلقه الدكتورعادل باحميد، سفير اليمن في ماليزيا، الذي وصف المؤسسة بقوله: ” أنها مؤسسة وطنية وُلدت بأسنان”، أي أنها بدأت بمشاريع ناضجة وكبيرة منذ اليوم الأول لإطلاقها.

وترى أن الدعم الذي حصلت عليه المؤسسة من مجلس الأمناء والمؤسسين والفريق العامل، إلى جانب الثقة، ساعدها على تجاوز التحديات التي رافقت نموها السريع.

إذا تعاملنا مع الثقافة كعمل ثانوي، أو اعتبرنا إحياءها  ترفًا، لابد أن يُزاح في هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها البلد، فإن هذا هو التردي والانهيار بعينه؛ لأننا ببساطة سنفقد الكثير من العناصر الثقافية في ظل هذه الفوضى التي يتصدرها النهب والسرقة، والتدمير، والنسيان، والعجز، علاوة على على تراجع  الوعي الثقافي للحد الذي لا يرتقي لحجم المسئولية وحجم الخطر المحدق”

 

 الثقافة كوسيلة للنجاة

ترفض شروق التعامل مع الثقافة كقطاع ثانوي، قائلة : ” الثقافة، في الحقيقة، قوة ناعمة، وهي كل ما يتصل بنا ؛ ما نعيشه اليوم، وما عشناه في السابق وما سانعيشه في المستقبل ومن هنا جاء شعار حضرموت للثقافة : (الثقافة حياة) “.

في هذا السياق تؤكد الرمادي على أن وظيفة الثقافة لا تقتصر على حفظ التراث أو إنتاج الفنون،  ففي ظل الظروف الحالية، يمكن للثقافة أن تخلق مساحات آمنة للفنانين والممارسين الثقافيين للتعبير عن أنفسهم، وأن تمنح القضايا السياسية والاجتماعية طرقًا أخرى للظهور:” يستطيع الفنان أن يعبر عن القضايا السياسية والثقافية عن طريق الفنون أيضًا، وأن يوصلها بطرق مباشرة وغير مباشرة من خلال المسرح والموسيقى والآداب والفنون البصرية، ببساطة يمكن أن تخلق الثقافة وعي فيما يخص القضايا الأخرى”.

من وجهة نظر الرمادي الوظيفة الأهم والأكثر إلحاحًا هي منع الثقافة من الاختفاء: ” إذا تعاملنا مع الثقافة كعمل ثانوي، أو اعتبرنا إحياءها  ترفًا، لابد أن يُزاح في هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها البلد، فإن هذا هو التردي والانهيار بعينه؛ لأننا ببساطة سنفقد الكثير من العناصر الثقافية في ظل هذه الفوضى التي يتصدرها النهب والسرقة، والتدمير، والنسيان، والعجز، علاوة على تراجع  الوعي الثقافي للحد الذي  لا يرتقي لحجم المسئولية وحجم الخطر المحدق “.

” اليمن، ثري ثقافيًا، وزاخر بالثقافة والتراث والفن بمختلف أشكاله..فقط نحتاج أن نحمي ما بأيدينا ونعيد تقديمه للعالم “.

من هذا المنطلق تعمل مؤسسة حضرموت للثقافة على إحياء وإنعاش ما يمكن إحياؤه، من خلال برامج مختلفة، مع مراجعة مستمرة لبرامجها ورؤيتها وأهدافها، بهدف الوصول إلى تقديم الثقافة اليمنية بصورة معاصرة، وإيصالها إلى العالم بـ” سردية إيجابية”.

بناءا على هذا الحرص توسعت المؤسسة من ثلاثة أقسام إلى خمسة، ووسعت نطاق عملها جغرافيًا وموضوعيًا.

من الحماية للاقتصاد الإبداعي

لا تضع مؤسسة حضرموت للثقافة، التراث في خانة الماضي فقط، إنما تتعامل معه كمقوم حيوي يمكن الاستثمار فيه، وأحد أبرز الملفات التي توليها كل الجهد والدعم المطلوبين لإعادة تصديره للعالم بحلة مواكبة ومعاصره، ولعل أبرز جهودها في هذا الجانب سعيها إلى جانب آخرين لإدراج (الدان الحضرمي) إلى قائمة التراث العالمي لليونسكو في 10/ ديسمبر كانون أول 2025.

إضافة إلى حرصها على تعزيز مفهوم الاقتصاد الإبداعي، بحيث تتحول الثقافة والفنون إلى فرص عمل توفر دخلًا للفنانين، بدل أن تظل الموهبة منفصلة عن مصدر الرزق، إذ تدعم المؤسسة الأعمال الفنية من خلال تطويرها وشرائها وبيعها وعرضها محليًا ووطنيًا وإقليميًا، إلى جانب توفير فرص تدريبية ووظيفية لهؤلاء المبدعين.

“نحاول، كقطاع مؤسساتي خاص، أن نقوم بما نستطيع انطلاقًا من شعورنا بالواجب وحبنا للاستمرار في هذا المسار، وندرك أنه مع مرور الوقت سينال التقدير المناسب الذي يليق به” 

التجديد بين التأييد والرفض 

تحاول حضرموت للثقافة إخراج أنشطتها بلمسات عصرية قادرة على النفاد والمنافسة، ولعل تجربة الفرقة الأوركسترالية بقيادة الأستاذ محمد القحوم، الفرقة التي قدمت الأغاني بطريقة معاصرة  أوركسترالية، واحدة من هذه التجارب التجديدية الماثلة التي وجدت لها مؤيدين ومعارضين في ذات الوقت. ” نحاول، كقطاع مؤسساتي خاص، أن نقوم بما نستطيع انطلاقًا من شعورنا بالواجب وحبنا للاستمرار في هذا المسار، وندرك أنه مع مرور الوقت سينال التقدير المناسب الذي يليق به ” تقول شروق.

 القمة الثقافية الفكرة والهدف

لم تكن فكرة القمة الثقافية التي انطلقت في 16 مايو /آيار المنصرم 2026،  كما تشرح الرمادي، مقتصرة على مجرد إقامة فعالية ضمن عديد فعاليات أخرى، إنما كان الهدف منها التوقف أمام عقد كامل من التغيرات التي شهدها المشهد الثقافي في حضرموت واليمن عموماً : ” كانت القمة وقفة لتحليل واقع الثقافة خلال  العشر السنوات الماضية وقد خرجت القمة بـ ثمانية مخرجات حقيقية وواقعية صدرت من الفاعلين في هذا القطاع” تؤكد الرمادي.

مضيفةً:” تعمل المؤسسة حاليًا على إعداد تقارير كبيرة وموسعة ورصينة تتناول مخرجات القمة وتوصياتها وتحدياتها والمناقشات التي جرت خلالها “.

موضحة أن إقامة هذه القمة ليست حكرًا على مؤسسة حضرموت للثقافة، بل حق جمعي لمن أراد الإسهام في هذا المجال : ” المؤسسة مستعدة لتقديم دعوة لأي مؤسسة محلية أو منظمة دولية لإقامة النسخة القادمة، لأن الهدف هو فتح المجال أمام تنفيذ فعاليات بهذا الحجم، ومناقشة موضوعات مختلفة، وبصيغ قد تختلف عن طريقة عمل مؤسسة حضرموت للثقافة ” 

 

شراكة استراتيجية بروح وطنية  

وعن علاقة المؤسسة بشركائها تصف الرمادي هذه العلاقة بأنها شراكة استراتيجية، لا علاقة ممول بمنفذ : ” علاقتنا مبنية على شراكة استراتيجية قائمة على المصلحة الوطنية، يتلاحم  فيها الجميع منفذين وممولين”.

في ختام حديثها لـ “نسوان فويس” توجه الرمادي رسالتها للشباب قائلة : “لا تنتظر الظروف المثالية، فالتجربة نفسها هي التي تبني الإنسان”.

 

مقالات أخرى