إبداع لا ينطفئ.. فنانات وأديبات يمنيات في مواجهة الفراغ الثقافي

شارك المقال

بشرى الغيلي _ نسوان فويس  

​تنزفُ المراسم ألوانها بصمتٍ… وتتهاوى منابر الأمسيات تاركةً القصائد ترتجف في مهبّ العزلة، في حين توصد معارض الكتب أبوابها ليطوي النسيان رفوفها الباردة.

في خضم هذا الفراغ الموحش، لم تركن المبدعة اليمنية إلى رثاء المشهد، بل راحت تغزل من خيوط العتمة نوافذ للضوء، وتحتضن إبداعها بقلبٍ يرفض التفريط في وليده.

​في هذا التقرير، ترصد منصة “نسوان فويس” كيف تبتكر المثقفة اليمنية أدوات بقائها وسط انهيارٍ مؤسسي سلب الإبداع منصاته، وحوّل الثقافة إلى مجرد ارتداداتٍ لجهودٍ فردية تصارع بشجاعة من أجل البقاء.

الكوكباني: أبرز العقبات التي واجهت دور النشر المحلية – قبل الحرب وبعدها- تتمثل في عزلتها عن المشاركة في المعارض الخارجية، وعجزها عن توزيع الكتب للمكتبات المهمة، إلى جانب افتقارها لمنصات البيع الإلكتروني

 

​يُجابه منفرداً

تحوّل مسار نشر الإبداع الأدبي في اليمن من احتفاء ثقافي إلى رحلة شاقة مليئة بالتعقيدات، حيث تصطدم الكاتبات بواقع يفتقر لأبسط إمكانيات الطباعة، التوزيع، وحماية الحقوق الفكرية، مما يدفع البعض منهن للبحث عن منافذ بديلة تضمن استمرار وصول أصواتهن إلى الجمهور.

وفي هذا السياق، تضع الروائية اليمنية الدكتورة نادية الكوكباني، في حديث لـ “نسوان فويس”، يدها على الجرح فيما يخص أزمة الكتاب، مشيرة إلى أن أبرز العقبات التي واجهت دور النشر المحلية – قبل الحرب وبعدها- تتمثل في عزلتها عن المشاركة في المعارض الخارجية، وعجزها عن توزيع الكتب للمكتبات المهمة، إلى جانب افتقارها لمنصات البيع الإلكتروني.

​وتضيف الكوكباني : ” هذا القصور المزدوج أدى إلى فوضى عارمة، حيث تُصدر النسخ بطرق غير قانونية تسلب الكاتب حقوقه، سواء عبر إعادة الطباعة الورقية دون إذن مسبق، أو عبر القرصنة وتنزيل الكتاب إلكترونياً”، ونتيجة لهذه التعقيدات، تؤكد أنها اتجهت للاعتماد الكلي على دور نشر غير محلية لضمان مهنية النشر والتوزيع، ورغم أنه يظل دون مستوى التطلعات، إلا أنه خيار يتفوق على المتاح محلياً.

وفي الوقت ذاته، لا تغفل الكوكباني عن معاناة دور النشر اليمنية نفسها، التي تفتقر للدعم وتسهيلات السفر، واصفة الأزمة بأنها “دائرة من الخطوات لا تنجح إحداها إلا بما قبلها وما بعدها “، ومؤكدة أن الكاتب يظل في هذا الواقع “يُجابه منفرداً” دورة إنتاج الكتاب بالكامل؛ بدءاً من البحث عن دار النشر، مروراً بالتعاقد والتحرير، وصولاً إلى الطباعة.

​طرق مبتكرة 

وعلى صعيد انحسار البيئة الحاضنة للمثقفات، تتفق الكوكباني مع واقع تراجع دور المراكز والأندية الثقافية، لكنها تستثني من ذلك العاصمة صنعاء؛ حيث ترى أن نادي القصة اليمني (إلمقه) يضطلع بدور عظيم في الحفاظ على زخم المشهد الثقافي من خلال فعالياته الأسبوعية الصامدة رغم قسوة الظروف. وتشير إلى أنها ورغم لجوئها للناشر الخارجي، تجد سعادة غامرة في إقامة حفلات توقيع رواياتها داخل اليمن بالتعاون مع النادي، للاحتفاء مع قرائها بشغف ومحبة صادقة.

​وإلى جانب هذه المنافذ الميدانية المحدودة، تشير الكوكباني في سياق حديثها إلى أهمية البدائل الحديثة، مؤكدة أن وسائل التواصل الاجتماعي باتت تمنح المبدعات فرصة للتعبير والاحتفاء والنشر، ومساحة لدعوة الجمهور إلى حوارات عبر الفضاء السيبراني الذي يختصر المسافات ويذلل صعوبات التواصل، معتبرة أن اللجوء إلى هذه المنصات يمثل “طرقاً مبتكرة” لمواجهة تحديات الركود الثقافي وتحويل قنوات التواصل إلى فرصة ثمينة لاستمرار الشغف.

​انهيار الإيرادات 

تأتي هذه المجابهة الفردية التي تخوضها الكوكباني وغيرها من الأديبات كنتيجة حتمية لانهيار الدعم الرسمي؛ إذ فقد “صندوق التراث والتنمية الثقافية” نحو 80% من إيراداته المالية، وتوقف الداعمين بحسب التقارير المنشورة عن الصندوق، مما أدى هذا الانهيار المالي إلى اتخاذ قرارات بإيقاف المستحقات والمساعدات المالية الشهرية التي كانت تُصرف لمئات الأدباء والمثقفين والفنانين، ما ترك المبدعة تواجه مصيرها الإنتاجي وحيدة بلا غطاء مالي.

​أنفاس النص

لم يقتصر تأثير الركود الثقافي على أزمة الطباعة والنشر فحسب، بل امتد ليخنق الأمسيات والندوات الأدبية التي كانت تمثل المتنفس الحقيقي لقصائد الشاعرة اليمنية.

وقد حرم هذا الغياب القسري للمنابر النصوص الشعرية من فضائها الطبيعي، حيث يكتمل معناها في لحظة التفاعل مع المتلقي.

وفي هذا السياق، تؤكد الشاعرة اليمنية سمر عبدالقوي لـ “نسوان فويس”، أن توقف هذه الفعاليات ترك أثراً ملموساً وقاسياً، متمثلاً في غياب التفاعل الحي والمباشر الذي كان “يمنح النص أنفاسه الأولى” وسط الحاضرين. لكن عبدالقوي تستدرك مؤكدةً أن الأدب بطبيعته يرفض الانكفاء والاستسلام لهذا الوضع المحبط، مشيرةً إلى أن هذه العزلة الميدانية حتمت عليها ضرورة خلق نوافذ بديلة تضمن استمرار التواصل وتكسر حالة الجمود التي أصابت المشهد الأدبي.

سمر عبدالقوي: تحوّلت منصات التواصل الاجتماعي إلى صالون ثقافي بديل، منح القصيدة حياة جديدة، وأعاد بناء الجسور مع الجمهور رغم غياب المنابر

​صالون بديل

وأمام هذا الفراغ الميداني، وجدت سمر في الفضاء الإلكتروني ملاذاً فعالاً؛ حيث تضيف: ” تحوّلت منصات التواصل الاجتماعي بالنسبة لي من مجرد عالم افتراضي إلى (صالون ثقافي بديل) يفتح أبوابه للمتلقي على مدار الساعة. ولم تكتفِ عبدالقوي بالتواجد النصي، بل لجأت إلى توظيف أدوات مرئية وتفاعلية، كبث مقاطع فيديو مصورة تلقي فيها قصائدها وتناقش من خلالها موضوعات حيوية وقضايا اجتماعية وثقافية، إلى جانب إطلاق مسابقات تفاعلية عبر صفحتها الشخصية لإنعاش حالة التواصل.

​وتختتم عبدالقوي حديثها :” بالتأكيد هذه الخطوات مهمة ، لم تنجح في كسر العزلة فحسب، بل أسهمت في مد جسور جديدة وأكثر قرباً مع الجمهور، علاوة على أن الميزة الأهم لهذا “الصالون البديل” تكمن في الحصول على تغذية راجعة فورية ومستمرة من المتلقي، وهو ما يضمن استمرار تدفق الإنتاج الأدبي وتجدد دماء القصيدة بعيداً عن أطلال المنابر التقليدية الغائبة”.

​النبض الحقيقي

لم يكن غياب الفعاليات الثقافية مجرد فقدان لمنبر استعراضي، بل شكّل فجوة عميقة في التلقي النقدي وحرم المبدعات من التقييم الحي الذي يصقل تجاربهن.في هذا الإطار، تصف الكاتبة والإعلامية جميلة عبدالله، في حديثها لـ “نسوان فويس”، توقف الأمسيات والندوات الثقافية بأنه ليس مجرد غياب لفعاليات عابرة، بل هو انقطاع لما أسمته بـ “خط النبض الحقيقي” والمواجهة الحية مع الجمهور.

​وتوضح جميلة أن الفعالية المباشرة تمنح الكاتب قراءة فورية وصادقة لنصه من خلال عيون الحاضرين وتفاعلهم اللحظي، مؤكدة أن هذا الأثر الحي لا يمكن للشاشات أو النشر الرقمي تعويضه بالكامل. وتحذر من أن اقتصار التفاعل اليوم على “الدوائر الضيقة” رغم حميميتها وأهميتها قد يضع الأديب في منطقة أمان تحيطه بآراء متشابهة، مما يحرم النص من التنوع النقدي الذي يحتاجه ليتنفس ويتطور.

​مختبر ذاتي

ومع انحسار المنابر الثقافية، كان لا بد من ابتكار مسارات بديلة للتعايش مع ركود المشهد.عبدالله تشير إلى أن الفضاءات الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي أصبحت هي الجسر المتاح لكسر هذه العزلة وإيصال الصوت للمتلقي ورأيها يتفق كثيراً  مع الشاعرة سمر.

لكنها من زاوية أخرى  تعاملت مع هذا الفراغ الميداني بوعي مختلف، حيث سعت إلى تحويل العزلة المفروضة إلى “مختبر ذاتي”. وتبين عبدالله أنها استثمرت هذا الوقت في القراءة المكثفة، وإعادة تأمل أدواتها الكتابية وتطويرها، لتجعل من العزلة ذاتها دافعاً لعمق الإنتاج واستمراريته، بدلاً من الركون إليها كعائق يقف أمام شغفها الإبداعي.

​إجراءات تقشفية

لا ينفصل هذا الفراغ الميداني وتوقف الأمسيات الذي استدعى اللجوء لهذه “المختبرات الذاتية”، عن التوجهات الإدارية القاسية التي شلت حركة المؤسسات الثقافية.

وتعود جذور هذا المشهد إلى العجز المالي الخان وانقطاع الموارد، اللذين دفعا قيادة وزارة الثقافة إلى تبني سياسات تقشفية حادة لتقليص النفقات.

وشملت هذه الإجراءات إصدار توجيهات عاجلة بنقل مقر “صندوق التراث والتنمية الثقافية” من المبنى المستأجر الذي كان يتواجد فيه، إلى مبنى المركز الثقافي لتوفير الإيجارات وتقليص النفقات غير الضرورية، ما يعكس حالة من الانكماش المؤسسي أطاحت بأي أمل في رعاية الفعاليات الميدانية.

​مساحة للنمو

في قطاع الفن التشكيلي، لم يكن الركود مجرد تراجع في الأنشطة، بل تحوّل إلى جدران صامتة ومراسم تفتقد لعيون المتلقي. تتحدث الفنانة التشكيلية ندى الكينعي لـ “نسوان فويس” عن هذا الأثر العميق، مشيرة إلى أن المعارض الفنية كانت تمثل مساحة حقيقية للتواصل وتبادل الأفكار. وتؤكد الكينعي أن الفنان لا يبدع لتبقى لوحته حبيسة، بل لتصل رسالته للآخرين، موضحة أنه مع غياب المعارض والورش الفنية خلال السنوات الأخيرة، باتت الأعمال “تُحفظ أكثر من أن تُعرض”.

​هذا الخفوت الميداني انعكس مباشرة على استمراريتها، حد التوقف المؤقت عن الرسم؛ وتوضح أن السبب لم يكن فقدان الشغف، بل غياب البيئة الحاضنة التي “تغذي الشغف وتمنحه مساحة للنمو”، مؤكدة أن فقدان التقييم المباشر واحتكاك الجمهور باللوحات سلبها الدافع الميداني للاستمرار والتطوير.

يعاني “بيت الثقافة” في صنعاء (وهو الرواق الأهم للمعارض التشكيلية والفعاليات) من انعدام تام للميزانية التشغيلية والاعتمادات المالية. هذا الانقطاع الكلي للتمويل جعل الإدارة عاجزة تماماً عن رعاية أو تمويل معارض الشباب المبدعين، بل وعاجزة عن إجراء أبسط أعمال الصيانة للمبنى الذي أصبح يعاني من تسرب مياه الأمطار

تهالك للمراسم

ويُعزى غياب البيئة الحاضنة الذي ألمحت إليه الكينعي إلى الشلل المالي المطبق الذي أصاب أهم المنشآت الفنية المعنية بالاحتواء؛ إذ يعاني “بيت الثقافة” في صنعاء (وهو الرواق الأهم للمعارض التشكيلية والفعاليات) من انعدام تام للميزانية التشغيلية والاعتمادات المالية. هذا الانقطاع الكلي للتمويل جعل الإدارة عاجزة تماماً عن رعاية أو تمويل معارض الشباب المبدعين، بل وعاجزة عن إجراء أبسط أعمال الصيانة للمبنى الذي أصبح يعاني من تسرب مياه الأمطار من سقفه المتهالك مما يهدد اللوحات والأعمال الفنية المعروضة بالتلَف.

​ذاكرة الشعوب 

وفي مقاربة نقدية لواقع الفن، تلفت ندى الكينعي في سياق حديثها لـ “نسوان فويس” إلى الفجوة الشاسعة بين تهميش الفنون محلياً وحضورها  في الخارج.

إذ تشير أن من خلال إقامتها الحالية في أستراليا واطلاعها على الحضور الواسع للفن في الحياة اليومية وفنون السكان الأصليين، أدركت أن الفنون ليست ترفاً أو مجرد نشاط جمالي، بل هي جزء أصيل من هوية و”ذاكرة الشعوب”. وتختتم الكينعي بالتأكيد على أن حضور الفن في الأماكن العامة والمرافق اليومية يخلق جسر تواصل واتصال دائم مع المجتمع، مشددة على أن دعم الفنانين وتوفير مساحات دائمة لعرض أعمالهم لا يخدم الفنان بمفرده، بل يثري المشهد الثقافي، ويحول الفن إلى لغة إنسانية ملهمة تصنع الوعي وتعزز ارتباط المجتمع بتاريخه وقيمه الإنسانية.

تمويل ذاتي

وتتجلى هذه الأزمة بوضوح عند النظر إلى لغة الأرقام؛ فالمشهد الثقافي فقد موسمه الاقتصادي والأدبي الأبرز منذ توقف (معرض صنعاء الدولي للكتاب)، الذي كانت نسخته الثلاثون تستقطب ما يقارب 300 دار نشر محلية وعربية وأجنبية، وتعرض مئات الآلاف من العناوين. هذا التوقف التام منذ العام 2014 يعني خسارة 100% من حجم السوق السنوي المباشر للكتاب.

يترافق هذا الانقطاع مع تقارير لمنظمات دولية، أبرزها (اليونسكو)، أشارت إلى توقف شبه تام للتمويل الحكومي المخصص للثقافة في اليمن، وإغلاق أو تضرر المئات من المكتبات العامة والمراكز الثقافية، مما أدى إلى شلل عام في قطاعي النشر والفنون. هذا الانهيار لم يقتصر على سلب الفنانات التشكيليات مصدر دخلهن من صالات العرض، بل امتد ليضرب الشاعرات، والأديبات، والروائيات اللواتي فقدن أسواق بيع إصداراتهن وحقوقهن المادية، لتتجرع جميع المبدعات مرارة الخسارة ذاتها في غياب أي دورة اقتصادية تحمي إنتاجهن.

​في نهاية المطاف  وكأننا نقف في طابورٍ طويلٍ من الخيبات ، نصغي إلى صدى الكلمات وهي ترتطم بجدران العزلة، وندرك أن المبدعة اليمنية لا تكتب اليوم ترفاً ولا ترسم استعراضاً، بل تنزف روحها على القماش والورق لتثبت أنها لا تزال على قيد الحياة. بين وزاراتٍ ابتلعت ألسنتها وراء أبوابٍ موصدة ومؤسساتٍ ثقافية تحولت إلى شواهد قبورٍ صامتة، تقف الكاتبة والفنانة كطائرٍ جريح يغزل من أوجاعه أجنحةً للبوح، تائهةً في ليلٍ طويلٍ ابتلع مسارحها ومنابرها.

​وأثبت انهيار صناديق التراث، وتقشف الجهات المعنية التي وثقناها في ثنايا هذا التقرير، أن الثقافة في اليمن أمست يتيمةً بلا مأوى، وأن المنابر الرسمية قد اختارت طواعيةً الانزواء في زوايا الصمت المطبق. لكن تلك الجدران الصامتة، والنصوص المغيبة، وصالات العرض المظلمة، لم تفلح في كسر أنامل المبدعة ولا إطفاء وهج ألوانها.

وفي خضم هذا التخلي المؤسسي القاسي، تظل المثقفة اليمنية هي “صالونها الأدبي”، و”دار نشرها”، و”معرضها الأخير”. تطوي ليل العزلة على حزنٍ نبيل، وتشرق في الصباح بقصيدةٍ أو لوحة أو رواية، متمسكةً بيقينٍ لا يقبل المساومة: أن المؤسسات قد تنهار، والمسؤولين قد يتوارون خلف ستائر الخوف والنسيان، لكن إبداع المرأة يظل وطناً مستقلاً، وحراً، وعصياً على الاستسلام.

مقالات أخرى