ممرضات في شباك الاستنزاف: نوبات مضاعفة.. أجور متأرجحة.. وعقود غائبة

شارك المقال

بشرى الغيلي _ نسوان فويس 

يرصد التقرير المعمق تعرض الممرضات والقابلات في القطاعين الحكومي والخاص لـ “استنزاف مهني قاسٍ”، نتيجة إلزامهن بساعات عمل طويلة وورديات متصلة تصل في بعض الحالات إلى 72 ساعة أسبوعياً ، لسد عجز قوام الكادر الطبي، مقابل أجور زهيدة ومتأرجحة لا تتوافق مع نصوص قانون العمل اليمني

ويكشف التقرير استغلال إدارات المنشآت الطبية للحاجة الاقتصادية الملحة للعاملات، في ظل غياب لمبدأ الشفافية والرقابة على عقود العمل، واللجؤ للتهديد بالخصم والمماطلة المالية كأدوات إكراه تجبرهن على القبول بمهام مزدوجة في بيئة تشغيلية تفتقر لأبسط مقومات الحقوق .

​تجرّ الممرضة “دعاء” قدميها عبر أروقة إحدى المستشفيات الحكومية، وعيناها غائرتان بعد مناوبة قاسية استمرت لـ 24 ساعة متواصلة، دوام كامل في وسط يعج بروائح المعقمات وأنين المرضى، لا تجد وقتاً لالتقاط أنفاسها أو إراحة جسدها المنهك الذي يوشك هو الآخر على الانهيار الكامل

استنزاف بلا توقف

​تجرّ الممرضة “دعاء” قدميها عبر أروقة إحدى المستشفيات الحكومية، وعيناها غائرتان بعد مناوبة قاسية استمرت لـ 24 ساعة متواصلة، دوام كامل في وسط يعج بروائح المعقمات وأنين المرضى، لا تجد وقتاً لالتقاط أنفاسها أو إراحة جسدها المنهك الذي يوشك هو الآخر على الانهيار الكامل.

في هذا القطاع، تتخذ الأزمة أبعاداً أكثر قسوة تعكس حجم الاستنزاف المهني، حيث تعمل “دعاء” في بيئة تفتقر لأبسط الضمانات القانونية؛ إذ تؤكد في حديثها لـ “نسوان فويس” عدم امتلاكها أي نسخة من عقد عمل يحدد حقوقها وواجباتها ما يجعلها عرضة لتجاوزات إدارية مستمرة.

​الجهد المضاعف الذي تبذله دعاء طوال يوم كامل، يقابله أجر شهري متدنٍ لا يتجاوز 57 ألف ريال، وهو مبلغ تؤكد أنه لا يتناسب مطلقاً مع حجم الجهد البدني والذهني المبذول، ولا تقتصر المشكلة على تدني الأجر فحسب، بل تمتد إلى مماطلة الإدارة في صرفه، حيث يتأخر الراتب لمدة شهر كامل.

​وعند محاولة الكادر التمريضي الاستفسار أو المطالبة بتحسين الأجور – بحسب “دعاء”_  تواجههم إدارة المستشفى بردود جاهزة تتمحور حول “عدم قدرة المستشفى على الزيادة نتيجة تراكم المديونيات والاحتياجات التشغيلية”، ليتحمل التمريض فعلياً ضريبة العجز المالي للمنشأة الحكومية.

هذا الواقع يتطلب ثمن نفسي وبدني باهظ ، حيث تدفع ثمن هذه المناوبات الطويلة إرهاقاً جسدياً مزمناً، وغياباً طويلاً ومستمراً عن بيتها وأسرتها، لتجد نفسها عالقة بين الحاجة الاقتصادية،و نظام إداري يسد عجزه على حساب حقوق الممرضات وحياتهن الشخصية.

بيئة عمل منهارة

​في أحد المراكز الصحية الحكومية تلتزم الممرضة “سارة” بالعمل لستة أيام أسبوعياً، من الثامنة صباحاً وحتى ما بعد الظهيرة،في الوقت الذي تفتقد فيه لأبسط الضمانات القانونية. تؤكد سارة لـ “نسوان فويس” ذلك بقولها: “لا توجد لدينا أي نسخة من العقد، ويتم التعامل معنا بآلية موحدة”.

​وإلى جانب غياب العقود، يبرز خلل آخر في نظام الأجور، متعلق بتراجع مستحقها الشهرية،فبعد أن كان 60 ألف ريال، تراجع إجمالي ما تقاضته خلال عام كامل (من يوليو 2025 وحتى يوليو 2026) إلى 223 ألف ريال فقط. وتنفي سارة تعرضهن للتهديد بالفصل من العمل كأداة إكراه، لكنها تشير بوضوح إلى غياب الشفافية والمساءلة قائلة: “لا نتلقى تهديداً من أي جهة، لكن هناك سرقة وتلاعباً يُمارس على مستويات عليا”.

​يتضاعف هذا الاستنزاف المهني نتيجة التدهور الحاد في بيئة المركز الصحي، حيث يُجبر الكادر التمريضي على سد العجز في الخدمات الأساسية.

سارة تصف هذا الواقع بالقول: “نعاني من ضيق في غرف الاستراحات ، ونفتقر للأثاث والأدوية والمكيفات رغم الحر الشديد،  نحتاج لعامل نظافة، يوفر علينا مشقة التنظيف ، المهمة التي تضاف إلى جانب مهامنا التمريضية”. وتلخص أثر هذا العبء المزدوج على صحتها مضيفة: “من شدة التعب أصبحنا نعاني من آلام في العمود الفقري، الرواتب صفر والعيشة سيئة جداً”. ورغم قسوة هذه الظروف، تؤكد سارة أن دافعها الوحيد للاستمرار هو “إبراء الذمة أمام الله، والمسؤولية تجاه صحة المرضى”.

الممرضة “فدوى” : لا توجد معي نسخة للعقد ولا للراتب الشهري، ولا أعرف شيئاً عن تفاصيل راتبي أو حجم الخصومات وتكاليف التحويل، في حين يمتلك زملائي إشعارات بذلك في هواتفهم

​تلاعب في الأجور..

​تمثل حالة الممرضة “فدوى” نموذجاً واضحاً لغياب الشفافية المالية والإدارية في بيئة العمل.  تعمل فدوى دون بلا عقد عمل، وتفتقر لأبسط الحقوق في معرفة تفاصيل مستحقاتها المالية، تصف حالها لـ “نسوان فويس” قائلة: “لا توجد معي نسخة للعقد ولا للراتب الشهري، لا أعرف شيئاً عن تفاصيل راتبي أو حجم الخصومات وتكاليف التحويل، في حين يمتلك زملائي إشعارات بذلك في هواتفهم”. هذا التخبط الذي يجعل راتبها الشهري الزهيد يتأرجح بشكل غير مبرر بين 13 و 16 ألف ريال فقط، دفعها للتفكير جدياً في تقديم شكوى رسمية.

​هذا العائد المالي شديد التدني يترافق مع ضريبة صحية واجتماعية فادحة؛ فبسبب السهر الدائم وتداخل مواعيد العمل، تضطر فدوى للعيش في “حالة تأهب دائم لا تنتهي بانتهاء الدوام”. وقد أدى هذا الضغط المستمر إلى حرمانها من قضاء الوقت الكافي مع عائلتها، وتحول الإرهاق اليومي إلى آلامٍ مزمنة في الظهر والمفاصل.

​وتلخص فدوى حجم هذه المعاناة ومقارنتها بالأجر الزهيد الذي تتقاضاه بتصريح يجسد واقع فرضية الاستنزاف المهني، قائلة: “إجمالي ما أتقاضاه لا يتناسب أبداً مع حجم الاستنزاف البدني والنفسي؛ فالمال قد يعوض جهداً عضلياً، لكنه لا يمكن أن يعوض الصحة المتآكلة، أو الساعات المقتطعة من حياتنا”.

​تهديد الممرضات بالخصم..

​في مستشفى حكومي آخر، تبرز حالة الممرضة “جنى” كشاهد إضافي على حجم العبء الوظيفي؛ حيث يصل معدل عملها إلى نحو 72 ساعة أسبوعياً، وهو رقم قابل للزيادة أو النقصان نتيجة التخبط الإداري والنقص الحاد في الكادر الطبي. وكما هو الحال في النماذج السابقة، تعمل جنى في بيئة تفتقر للشفافية القانونية، مؤكدة في حديث لـ “نسوان فويس” أنه “لا توجد نسخة لعقد العمل”، وأنها لم تحاول يوماً تقديم أي شكوى للجهات المعنية.

​هذه الساعات الطويلة التي تقضيها الممرضات في العمل، لا يقابلها عائد مادي منصف، وتبرر بقاءها واستمرارها في هذه الدوامة بقولها: “الأسباب هي الحالة المعيشية، وعدم توفر فرص عمل أفضل”.

وتشير جنى بوضوح إلى سياسة الإكراه المتبعة لفرض الساعات الإضافية وتغطية العجز، مؤكدة أن الإدارة “تمارس الضغوط والتهديد بالخصم ” المالي لضمان استمرار الكادر في العمل، أما على المستوى الشخصي، فتتحدث جنى عن ضريبة قاسية تدفعها من صحتها واستقرارها الأسري، قائلة: “ينعكس ذلك بكثرة على صحتنا الجسدية بسبب الوقوف لساعات طويلة أثناء المناوبات”. وتمتد هذه الضريبة لتسلبها حياتها الاجتماعية: “ينعكس الضغط على مستوى حياتنا الأسرية بضياع أجمل اللحظات، وعدم مشاركة الأهل تفاصيل اليوم البسيطة”

المماطلة كأداة إكراه

​تُقدم حالة الممرضة “طرفة” بُعداً جديداً للاستغلال المالي والإداري، يتمثل في إسقاط مفهوم “الراتب” وتحويله إلى مجرد “حافز” يخضع للمماطلة،  تلتزم طرفة بالدوام لستة أيام أسبوعياً، من الثامنة صباحاً وحتى الثانية ظهراً، وهي كغيرها من الحالات السابقة، تعمل في فراغ قانوني تام؛ إذ تؤكد لـ “نسوان فويس” بشكل قاطع: “لا يوجد لدي أي عقد عمل ولا نسخة، ولا أعرف أي شيء”.

​المعضلة الأكبر في تجربة طرفة هي انعدام الدخل الثابت؛ فهي لا تمتلك راتباً حكومياً، وتعتمد فقط على حافز مالي تصفه بأنه “لا يقابل أسبوعاً من الخدمة”، ولا يتوقف الانتهاك عند تدني قيمة هذا الحافز، بل يمتد إلى إيقافه المتكرر ومراكمته لشهور طويلة (منذ أكتوبر 2025 وحتى منتصف 2026)، حيث تؤكد أن هناك “ثمانية شهور مسبقة لا يصرف منها فلس”.

​هذه المماطلة الطويلة في صرف المستحقات الزهيدة لم تعد مجرد عجز إداري، بل تحولت فعلياً إلى أداة إكراه تجبر الكادر التمريضي على الاستمرار في العمل، وعن أسباب بقائها وصبرها رغم هذا التعسف، تُعبر طرفة عن ذلك بوضوح قائلة: “تأخير المستحقات هو ما يجبرنا على البقاء، فهم يتركون هذه الحوافز لتتراكم لسبعة أو ثمانية أشهر، وفي حال الغياب يصادرون مستحقاتك أو يوقفونها بحجة أنكِ (منقطعة).. جميعنا نعمل وفق هذا المبدأ ونصبر على هذا الحال”.

أسفر الجهد العضلي المتواصل عن إصابة طرفة بـ “انزلاق في العمود الفقري”،وتدهور صحي عام من كثرة الضغوطات في العمل المستمر والشاق، وتدهور من جانب الوضع المعيشي والأسري”.

استغلال القطاع الخاص

​إذا كان تدهور القطاع الحكومي يُبرر غالباً بالأزمات الاقتصادية، فإن الصورة في القطاع الطبي الخاص تكشف عن خلل استثماري يعتمد على مضاعفة أرباحه عبر استغلال جهد العاملات خارج الأطر القانونية، في هذا القطاع الذي يُفترض أن يلتزم بمعايير توظيف واضحة، تبدو الصورة مختلفة تماماً، “فادية” تعمل في أحد المستشفيات الخاصة بنظام نوبات تمتد لـ 12 ساعة متواصلة، لكنها تعمل في “فراغ قانوني” تام. تقول فادية لـ “نسوان فويس”: “لا أذكر أنني وقعت عقد عمل، ولا توجد معي أي نسخ لعقود أو كشوفات راتب”.

​تخضع ساعات العمل والأجور في المستشفى الذي تعمل فيه فادية لتصنيفات تعتمد على المؤهل (دبلوم أو بكالوريوس) ونوع القسم، دون وجود نظام ساعات محدد بوضوح. كانت فادية تداوم يومياً في نوبة صباحية مدتها 12 ساعة، لكن تحت وطأة الإرهاق المستمر، اضطرت للتخلي عن إحدى مناوباتها، ليصبح نظام عملها الحالي (يومي عمل مقابل يومي إجازة)، أي بمعدل 15 يوماً في الشهر. هذا التخفيض في الساعات هبط براتبها الشهري –الزهيد أساساً– من 130 ألف ريال إلى 70 ألف ريال فقط.

​العبء الأكبر الذي تواجهه فادية لا يقتصر على الأجر المتدني وساعات العمل الطويلة، بل يتمثل في “الاستغلال الوظيفي” لسد العجز في الكادر. فبصفتها “قابلة” في قسم الولادة، تُجبر على القيام بمهام التمريض العام عندما لا تكون هناك حالات ولادة. تصف فادية هذا التخبط الإداري قائلة: “إذا كان هناك زحام، يطلبون مني العمل كبديل لكادر التمريض غير المتوفر، وفي حال وصول حالة ولادة فجأة، يُطلب مني ترك التمريض والتوجه فوراً لاستقبالها”.

​هذا الضغط المزدوج بين قسمين مختلفين طوال 12 ساعة يتركها في حالة استنزاف بدني ونفسي بالغ، وتعبر عن ذلك بوضوح: “خلال 12 ساعة.. لا أغادر الدوام إلا وقد استُنزفت طاقتي تماماً”. ومع كل هذا الجهد المهدور، تؤكد فادية أن الدافع الوحيد لاستمرارها وقبولها بهذا الأجر الضعيف هو “الظروف والأوضاع المعيشية التي نمر بها حالياً”.

عجز هيكلي للقطاع 

​لا تقف مأساة الكادر التمريضي عند حدود الشهادات الحية الموثقة أعلاه، بل تدعمها لغة الأرقام التي تكشف عن عجز هيكلي في القطاع الصحي. وفقاً لتقرير دولي نشرته شبكة الإغاثة الدولية (ReliefWeb) التابعة للأمم المتحدة في 2020 يعاني القطاع الصحي في اليمن من نقص حاد، حيث يتوفر فقط 10 كوادر صحية لكل 10,000 نسمة، وهو رقم متدنٍ بشكل خطير مقارنة بالمعيار الدولي لمنظمة الصحة العالمية المتمثل بضرورة توافر 41 كادراً لكل 10 آلاف نسمة. هذا العجز يدفع الإدارات للاعتماد الكثيف والمجحف على الممرضات لسد الفراغ.

​وقد برزت هذه التجاوزات عبر دراسة ميدانية محكمة لجامعة صنعاء شملت عينة من 102 ممرضة وقابلة في مستشفيات حكومية كبرى (الجمهوري و22 مايو). أوضحت الدراسة حجم الضغوط التشغيلية وفجوات التوثيق الإداري التي تقع على عاتق الكادر التمريضي. وتتطابق هذه الإحصائيات مع البيانات الرسمية التي تؤكد أن نحو 82.9% من النساء العاملات ينخرطن في أعمال غير منظمة وبلا عقود، مما يفسر سهولة استغلال الممرضات في المشافي والمراكز وتحويلهن إلى عمالة هشة تخلو من الحماية.

​بمجرد استحقاق الموظفة للراتب، يُعتبر ذلك عقد عمل ضمنياً، وتسري عليه كافة الالتزامات التي تقع على المتعاقدين، و إثبات علاقة العمل أمام القضاء يتم بأساليب قطعية تشمل سجلات البصمة، كشوفات الراتب أو التحويلات المالية، وشهادة الشهود

نصوص تجرم الاستغلال..

وعلى سبيل ​التوصيف القانوني الدقيق لهذه الانتهاكات الموثقة، ووضع حد للتعنت الإداري والمؤسسي تجاه حقوق الكادر التمريضي المهدورة، تسقط المحامية، منى النجار، في حديث لـ “نسوان فويس” الذريعة الأكبر التي تتخذها المستشفيات للتهرب من التزاماتها والمتمثلة في عدم توقيع عقود مكتوبة، مؤكدة أن ذلك لا يُسقط حقوق الكادر التمريضي إطلاقاً، وتوضح قائلة: “بمجرد استحقاق الموظفة للراتب، يُعتبر ذلك عقد عمل ضمنياً، وتسري عليه كافة الالتزامات التي تقع على المتعاقدين، و إثبات علاقة العمل أمام القضاء يتم بأساليب قطعية تشمل سجلات البصمة، كشوفات الراتب أو التحويلات المالية، وشهادة الشهود”.

​تصف النجار إجبار الممرضات والقابلات على تغيير مهامهن لتغطية العجز أو إلزامهن بنوبات طويلة تحت التهديد بأنه “استغلال صريح حرّمه المُشرِّع اليمني ومنعه منعاً باتاً”، وتؤكد على حق العاملة في مقاضاة الإدارة وطلب التعويض عن أي إجبار على ساعات إضافية لم يُتفق عليها، ولإغلاق الباب أمام التبريرات الإدارية، تستند النجار إلى نصوص قاطعة تشمل العاملات في القطاعين الخاص والحكومي، وتحديداً المادة (56) التي تُلزم المنشآت بدفع أجر مضاعف عن الساعات الإضافية وفقاً للمعدلات التالية:

​احتساب أجر الساعة بـ (ساعة ونصف) من الأجر الأساسي خلال أيام العمل العادية.

​احتساب أجر الساعة بـ (ساعتين) من الأجر الأساسي أثناء الليل، ويوم الراحة الأسبوعية، وأيام العطل الرسمية.

​كما يُلزم القانون إدارات المستشفيات، وفقاً للمادة (75)، بتعويض الممرضات بأوقات راحة مدفوعة الأجر بمعدل مرة ونصف للأيام العادية، ومرتين للعمل الليلي، على أن يُمنح هذا التعويض خلال فترة أقصاها شهر. ولضمان مسار آمن للممرضات لاسترداد حقوقهن المتراكمة دون التعرض لخطر الفصل التعسفي، ترسم النجار خطوات التقاضي الفعالة، والتي تبدأ بتقديم شكوى رسمية إلى “مكتب العمل” لمحاولة حل النزاع ودياً. وفي حال استمرار تعنت الإدارة، يتم تصعيد القضية إلى “المحكمة العمالية”، حيث يفرض القانون عقوبات مالية على المنشآت المخالفة، ويُلزمها بدفع كافة الأجور المتأخرة والتعويضات، بالإضافة إلى تحميل المستشفى غرامات ومخاسير التقاضي.

الواقع والوعود الرسمية..!

وفي رده التفصيلي لـ “نسوان فويس”، أكد نائب وزير الصحة والبيئة في حكومة صنعاء الدكتور، ناشر القعود، حرص الوزارة على التعامل مع هذه الملفات بمسؤولية، واصفاً الكوادر التمريضية بأنها “الجيش الأبيض الذي صمد في أحلك الظروف”، ومشيراً إلى التحديات الاقتصادية الاستثنائية وتأثير انقطاع المرتبات على القطاع الصحي.

​وفيما يتعلق بتجاوز ساعات العمل لتصل إلى 72 ساعة أسبوعياً في بعض الحالات، أوضح القعود أن المعيار الرسمي يحدد الساعات بـ 48 ساعة أسبوعياً. وبيّن أن المستشفيات الحكوميةالتي تعاني عجزاً في الكوادر تحاول الإدارات تغطيته عبر نظام الحوافز كـ “حالة طوارئ وتضحية”، بينما يُعد تجاوز هذه الساعات في القطاع الخاص مخالفة يتم التعامل معها رقابياً، وأضاف أن عمل الكوادر دون عقود موثقة بمثابة “تهرب قانوني وأخلاقي نرفضه تماماً”. وأشار إلى أن الوزارة بدأت فعلياً بربط تجديد تراخيص المنشآت الطبية الخاصة بضرورة إرفاق كشوفات الكوادر مع “عقود عملهم المعمدة”، لافتاً إلى سحب تراخيص بعض المنشآت التي رفضت تصحيح أوضاع عمالتها.

​وحول تدني الأجور، أقر القعود بعدم تناسب المبالغ مع الجهد المبذول، كاشفاً عن توجه الوزارة حالياً ضمن لجنة مشتركة لإقرار “لائحة أجور معيارية” تضع حداً أدنى لرواتب الكوادر الطبية المساعدة، وحول لجوء بعض الإدارات للخصميات لإجبار الموظفين على تغطية نوبات إضافية، أكد أن الوزارة تتدخل لإلغاء ذلك، معتبراً إجبار الموظف تحت التهديد بالخصم “إكراهاً يعاقب عليه القانون”. وفي سياق التجاوزات المتمثلة في تكليف القابلات بمهام التمريض العام، شدد على أن ذلك “يهدد حياة المرضى ويعد مخالفة لمعايير الجودة ومكافحة العدوى”. كما وصف إجبار الكوادر التمريضية على أعمال النظافة أنه “امتهان للمهنة”، مؤكداً بحزم أن “المنشأة التي تعجز عن توظيف عمال نظافة لا تستحق رخصة العمل”.

​ولتبديد مخاوف الكوادر التمريضية من سطوة الإدارات عند المطالبة بحقوقهم، أوضح الدكتور القعود أن الوزارة وفرت مسارات لا تتطلب المرور بالهيكل الإداري للمستشفى وتضمن “السرية التامة” للشاكيات، ضمن آلية تعتمد فيها لجان التفتيش على التحقق من المخالفة بشكل عام، كمراجعة سجلات الجميع، لضمان عدم الإفصاح عن اسم الشاكي، مختتماً حديثه بوعد رسمي: “لن نسمح بأن يكون الكادر التمريضي هو الحلقة الأضعف”.

​في الوقت الذي يُنشر فيه هذا التقرير تستمر الممرضات والقابلات في العمل داخل المشافي تحت وطأة مناوبات طويلة ومزدوجة، من دون بيئة عمل آمنة أو لوائح أجور معيارية تحميهن.

​قصص دعاء وسارة وفدوى تتكرر في منشآت طبية كثيرة؛ ممرضات تُستنزف طاقاتهن لساعات تصل إلى 72 ساعة أسبوعياً بانتظار مستحقات متأخرة، في ظل فجوة واضحة بين التوجهات الرسمية لتنظيم القطاع الصحي، وبين واقع يفتقر إلى إجراءات نافذة تضمن حقوق العاملات فيه.

مقالات أخرى