منيرة أحمد الطيار- نسوان فويس
ينمو مسار علاجي بديل يتجاوز غرف الأطباء وفحوصات المختبرات في العاصمة صنعاء، حيث باتت نافذة الصيادله نقطة الالتقاء الأولى والأخيرة للمريض مع دوائه.
تتجسد هذه الظاهرة في الممارسة اليومية لزهور، وهي ربة منزل، لم تعد ترى في زيارة الطبيب ضرورة مُلحة لمداوة عائلتها؛ بل تكتفي بالتوجه إلى الصيدلية القريبة وسرد الأعراض شفهياً ليعود القرار العلاجي كاملاً إلى الصيدلاني الذي يختار الصنف الدوائي ويحدده بناءً على هذا الوصف السريع.
لا يمثل هذا السلوك خياراً عابراً في حياة زهو بل تحول إلى نمط اعتيادي تلجأ إليه هرباً من كلفة الكشف الطبي وأعباء المواعيد لاسيما خلال العطل والإجازات الأسبوعية التي تتقلص فيها ساعات عمل العيادات، لتغدو الصيدلية في نظرها ونظر كثير من الأسر الوجهة الأكثر مرونة للحصول على رعاية دوائية فورية دون استنزاف وقت ومال.
هذا النمط السلوكي الذي تختزله قصة زهور تتبعته معدة التقرير عبر أداة قياس ميدانية حيث أجرت استبياناً استطلاعياً استهدف عينة مكونة من 53 مشاركاً ومشاركة من مختلف المستويات التعليمية داخل مدينة صنعاء، يمثل حملة المؤهلات الجامعية والعليا منهم ما نسبته 81.5% من حجم العينة،ورغم هذا الارتفاع في المستوى التعليمي للأفراد المستهدفين ، فإن نتائج الاستطلاع كانت صادمة، إذ أظهر الاستبيان فجوة حادة بين الوعي الأكاديمي والممارسة الفعلية بعد أن أكد 76.9% من المشاركين بأنهم يتوجهون مباشرة إلى الصيدلية القريبة لشراء العلاج فور ظهور أعراض أولية كالتهاب الحلق والسعال دون الحصول على تشخيص طبي مسبق.
في حين أفاد 47.2% منهم بتبني سلوك شراء المضادات الحيوية بنظام الحبة أو الشريط بشكل متكرر دون وصفة طبية، مما يبين أن الطريق الذي يمنح المرضى شعوراً بالسرعة،يلجأ إليه عدد كبير من اليمنيين ،لكنه لجوء يخفي وراءه مخاطر جمة متعلقة بالاستخدام العشوائي للدواء.
وصفة خاطئة
جميلة واحدة من اللواتي دفعن ثمن هذا الاعتماد على التشخيص السريع خارج المشافي والعيادات المتخصصة، تروي جميلة ما حدث معها لـ”نسوان فويس”بعد معاناتها من ألم حاد في أذنيها ، حيث توجهت إلى إحدى العيادات الصغيرة غير المتخصصة في منطقة الحصبة بحثاً عن تفسير لما تشعر به، لينتهي الفحص غير التخصصي بوصف قطرة تحتوي على مادة “بيروكسيد الهيدروجين” لاستخدامها للأذن.
لم تكن جميلة تعلم أن تلك الوصفة ستكون بداية لرحلة طويلة من الألم والمعاناة إذ تسببت القطرة بمضاعفات مؤلمة دفعتها إلى مراجعة مركز طبي بمنطقة ذهبان في اليوم التالي لعرض حالتها على الطبيب.
وهناك تبين حجم الخطر إذ يوضح الدكتور عمار مسعود اخصائي جراحة الذي يعمل بمركز نسمات الرشيد الطبي لـ”نسوان فويس” أن وصف مثل هذه المركبات دون فحص سريري متخصص يُعد مجازفة طبية كبيرة مؤكداً أن استخدام القطرات غير المناسبة خاصة في حال وجود ثقب في غشاء الطبلة يتسبب في تهيجات وتشققات ومضاعفات بالغة قد تمتد للأذن الوسطى والداخلية وتؤثر سلباً على حاسة السمع والتوازن.
مشيرا إلى أن التدخل الطبي المبكر والتشخيص الدقيق كانا ضرورة قصوى لتجنب أضرار دائمية كادت تهدد سلامة السمع مشدداً على أن ألم الأذن لا يعني بالضرورة وجود عدوى بكتيرية تتطلب علاجات عشوائية.
تقف قصة جميلة اليوم لتلخص إشكالية كبرى تتأرجح فيها الصيدليات بين الحاجة المجتمعية لخدمات منخفضة التكلفة وبين غياب التشخيص الدقيق الذي تفرضه التشريعات الصحية إذ يحظر قانون المنشآت الطبية والصحية اليمني في مادته رقم 55 على أي منشأة أو صيدلية بيع الأدوية والمضادات الحيوية دون وصفة معتمدة من طبيب مرخص.
يتكامل هذا النص مع قانون الدواء والصيدلة رقم (4) لسنة 1446هـ الصادر من وزارة الصحة التابعة لحكومة صنعاء إلى جانب تعليمات النيابة العامة المنظمة لمهام الضبط القضائي والتي تجرّم تداول الأدوية المقيدة والتخصصية خارج المسار الطبي المعتمد، وتعدّ صرفها العشوائي مخالفة تقتضي الملاحقة القانونية.
إذ عززت وزارة الصحة والبيئة في حكومة صنعاء في قرارها الوزاري رقم 30/أ/و/ق لسنة 1447هـ (الموافق 23 يوليو 2025) والذي قضى بحظر تداول سبعة أصناف من المضادات الحيوية الحرجة المعدة للحقن خارج المستشفيات الخاضعة للرقابة المباشرة، وفي مقدمتها مركبات الكوليستين والميروبينيم والفانكومايسين، للحفاظ على فاعليتها العلاجية.
وعن الموقف الرسمي إزاء هذه التجاوزات يوضح مدير إدارة الرقابة والتفتيش بوزارة الصحة والبيئة الدكتور أكرم زبارة في حديث لـ”نسوان فويس” أن اللوائح النافذة تحظر تماماً بيع المضادات الحيوية دون وصفة طبية مؤكداً أن الإدارة تكثف رقابتها الميدانية لقصر تداول الأصناف الحرجة على المستشفيات والمراكز المخولة فقط. ويشدد زبارة على اتخاذ الإجراءات القانونية الصارمة بحق المخالفين محذراً الكوادر الصيدلانية من الانجرار وراء الكسب العشوائي وموضحاً في الوقت ذاته أن الاعتماد على التشخيص الذاتي أو المعلومات الرقمية لا يمكن أن يمثل بديلاً عن التقييم الطبي المباشر بل يفاقم خطورة المقاومة البكتيرية ويهدد السلامة العامة للمجتمع.
صراع الميدان
ورغم الصرامة القانونية يكشف الواقع الميداني في العاصمة صنعاء عن معركة يومية يعيشها الصيادلة بين قواعد المهنة العلمية، والضغط الاجتماعي والاقتصادي. ففي منطقة مذبح يتحدث الدكتور سامي الحميري من صيدلية “بلو فارمسي” عن مواجهة مستمرة مع مرضى يدخلون الصيدلية وهم يحملون قرار العلاج مسبقاً مطالبين بمضادات حيوية محددة بالاسم أو الشكل بناءً على نصائح متداولة دون وجود تشخيص طبي يبرر استخدامها.
ويوضح الحميري أن إقناع هؤلاء بمخاطر الاستخدام العشوائي ليس أمراً سهلاً في ظل ثقافة مجتمعية ترى في المضاد الحيوي الحل الأسرع لعلاج كل التهاب، بل إن التحدي يمتد إلى قيام بعض الصيدليات بقص أشرطة المضادات وبيعها مجزأة لتناسب الظروف المادية للمرضى وهو سلوك يؤثر مباشرة على فاعلية العلاج نتيجة عدم التزام المريض بإكمال الجرعة والمدة المطلوبة.
هذا الصراع الأخلاقي والإنساني يؤكده أيضاً الدكتور بشير البشاري من صيدلية “بشار” في منطقة ذهبان حيث يجد الصيدلاني نفسه أمام معادلة صعبة يتقاطع فيها ألم المريض غير القادر على تحمل تكاليف الكشف الطبي مع المسؤولية المهنية التي تحظر بيع الدواء دون فحص.
هذا التداخل المعقد بين المسؤولية الطبية والواقع الإنساني تعمّق في تحليله الدكتورة، نجلاء الغابري من صيدلية ” ابن حيان بصرف مؤكدة أن جذور المشكلة تمتد مباشرة إلى التحولات الاقتصادية الحادة التي شهدتها السنوات الأخيرة والتي أعادت تشكيل سلوك المواطنين الدوائي بشكل جذري مقارنة بالماضي.
تستذكر الغابري تباين الفترات السابقة التي كانت تتسم بمستوى أعلى من الاستقرار المالي والوعي الصحي مما كان يسمح لشريحة واسعة من المرضى بإجراء الفحوصات الطبية وزيارة العيادات المتخصصة قبل الإقدام على تناول أي علاج في حين يفرض واقع اليوم تراجعاً حاداً في القدرة الشرائية يدفع المواطنين قسراً إلى البحث عن خيارات أقل كلفة خاصة عندما يتعلق الأمر بالتهابات شائعة مثل التهاب اللوزتين أو الحلق حيث يفضل الكثيرون تجنب الطبيب والتوجه مباشرة إلى الصيدلية كبديل اقتصادي سريع.
وربطاً بهذا التحليل الميداني تلتقي رؤية الدكتورة نجلاء مباشرة مع البيانات الدقيقة التي رصدها استبيان معدة التحقيق إذ تصدر ارتفاع تكلفة المعاينة الطبية والتشخيص المخبري قائمة الدوافع الرئيسية وراء هذا الاعتماد بعد أن اعتبر 53.8% من المشاركين (بواقع 28 مشاركاً) أن البعد المادي والوضع المعيشي الصعب هو ما يجبر الأسر على المقارنة بين كلفة الفحص الطبي وبين شراء الدواء مباشرة بمبلغ أقل متسائلين عن جدوى دفع قيمة الكشفية إذا كان بالإمكان الحصول على العلاج دون وسيط.
وتوضح الغابري أن هذا الضغط الاقتصادي يضع الصيادلة أحياناً في موقف إنساني حرج يدفعهم للتعامل مع الحالات بشكل مباشر.
لا تبدو العاصمة صنعاء وحدها في مواجهة هذا التحدي الصحي إذ يمتد هذا النمط السلوكي ليشمل المدن اليمنية الأخرى مؤكداً عمق الأزمة وتجذرها جغرافياً وهو ما وثقته دراسة ميدانية متخصصة حملت عنوان “المعرفة والموقف والممارسة تجاه استخدام المضادات الحيوية بين عامة الناس في بيئة فقيرة الموارد: حالة عدن – اليمن” فقد بينت هذه الدراسة المتكاملة أن المجتمعات المحلية في عدن تعاني من ذات المحددات وبذات النمط السلوكي المحفوف بالمخاطر حيث يندفع المرضى لشراء المضادات الحيوية واستخدامها ذاتياً دون ضوابط طبية مما يوضح أن الإشكالية تتجاوز النطاق المحلي لمدينة واحدة لتصبح ظاهرة مرتبطة بالوضع العام للبلاد والشح الاقتصادي في الموارد الذي يدفع المواطنين قسراً لتهميش المسار الطبي التقليدي.
خطر الفخ البكتيري
ولا تنفصل هذه الممارسات المشتركة بين المدن اليمنية عن التحذيرات العلمية العالمية الصارمة إذ تؤكد التقارير المشتركة الصادرة عن منظمة الصحة العالمية (WHO) بالتعاون مع مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) أن الاستخدام غير المقيد للمضادات الحيوية واستهلاكها دون تشخيص دقيق يعد المحرك الأساسي والأبرز وراء التسارع العالمي لظهور مقاومة مضادات الميكروبات.
وتوضح الأبحاث الطبية أن ممارسات الاستهلاك العشوائي كشراء الأدوية بنظام الحبة أو الشريط أو التوقف عن إكمال الجرعة بمجرد ارتياح الجسد يمنح البكتيريا فرصة ذهبية للتكيف الجيني والتحور بدلاً من القضاء عليها وهو ما أثبتته بالأرقام الفادحة دراسة العبء العالمي لمقاومة مضادات الميكروبات (GRAM) المنشورة في مجلة The Lancet الطبية الشهيرة حيث كشفت بالأدلة المسحية أن سوء استخدام هذه العلاجات أدى بالفعل إلى تحول البكتيريا القياسية إلى سلالات مقاومة وشرسة تسببت في ملايين الوفيات عالمياً مما بات يهدد بفقدان الطب الحديث لفاعلية أهم أسلحته العلاجية وإعادة البشرية إلى عصر ما قبل المضادات.

