فخ المساحات الآمنة.. كيف يجري هندسة الوهم لاختراق خصوصية اليمنيات؟

شارك المقال

إكرام فرج – نسوان فويس

 

في إحدى المدن اليمنية، قرب العاصمة صنعاء، بدأت الحكاية من تطبيق واتساب، حيث يُفترض بالمجموعات النسائية المغلقة أن تكون مساحة دافئة تحمي خصوصية النساء وتتيح لهن الحديث بحرية وتبادل النصائح. هناك، لمحت سمر -اسم مستعار- الفتاة العشرينية ترويجًا لرقم شخص يُوصَى به كمعالج شعبي يداوي بالقرآن حالات الضيق والتعب الشديد، وأكدت المشاركات في المجموعة أنه يقدم علاجًا ناجحًا بنسبة 100%.

لم تكن سمر تعلم أن خلف ذلك الرقم يختبئ مبتز محترف يتستر برداء الدين والعاطفة الأبوية. تواصلت معه بحثًا عن طمأنينة، فتلقت ردودًا مغلفة بأسلوب أبوي دافئ قائلًا: ” أنا أعتبركِ كابنتي”، وعندما سألته عن التكلفة المالية، رد برفض مبطن “المال لا يهم، الأهم أن نتأكد من التبخير وخطوات العلاج”.

لكن سرعان ما بدأت الأقنعة بالتساقط، إذ طلب منها إرسال صورتها بحجة تشخيص الحالة، وعندما رفضت، موضحة أنها لا تحتفظ بصور شخصية، اقترح الانتقال إلى اتصال فيديو. أجرى الاتصال وهو يغلق كاميرته تمامًا، بينما كانت هي تظن أنه يوجهها علاجيًا، وفي تلك اللحظات الخاطفة، كان يقوم بتسجيل الفيديو واستقطاع صور لها دون علمها، رغم أنها كانت مستترة.

تحول الحنان الأبوي المزيف إلى تهديد صريح وبدأت المساومة المالية مقابل عدم نشر الصور. حينها بادرت سمر بحظره، لكنه استمر في ملاحقتها عبر أرقام متعددة، بل وصل به الأمر إلى إرسال تسجيلاتها وصورها للوسيطة التي نشرت رقمه أول مرة لتمارس عليها ضغطًا إضافيًا.

امتد التهديد ليمس أثمن ما تملك، إذ هددها بالوصول إلى زوجها وعائلتها. تصف سمر تلك الأيام بقولها: عشت أسبوعًا كاملًا بين الحياة والموت، لم أكن أستطيع النوم أو الأكل، وتمنيت الموت من شدة الخوف والضغط النفسي.

ورغم الخوف والرعب اللذان أصابها قررت سمر ألا تستسلم. احتفظت بالتسجيلات الصوتية كأدلة، وقررت تحويل تجربتها إلى درع لحماية غيرها، عادت إلى المجموعة النسائية وكشفت القصة كاملة بجرأة، لتكتشف المفاجأة: بأنها لم تكن الضحية الوحيدة، بل كان قد ابتز العديد من النساء داخل المجموعة ذاتها.

تنهي سمر قصتها التي عاشت تفاصيلها بوعي جديد: الحمد لله أنني قدرت أعمل خير وأحذر غيري. نصيحتي لكل فتاة: لا تصدقي أحدًا على الإنترنت، ولا تنخدعي بالكلام المعسول أو العلاجات الوهمية، وحافظي على خصوصيتك.

توسع الظاهرة 

لم تكن حادثة سمر مجرد حالة فردية، بل إن القصة تتكرر على منصات أخرى وبأساليب مختلفة. ففي منصة فيسبوك، أثار حساب يُدعى سويدي ماركة جدلًا واسعًا بنشره لقطات شاشة وأدلة تزعم أن إحدى المجموعات النسائية المغلقة الشهيرة باسم مستورة -والتي تضم آلاف العضوات اليمنيات- لا تديرها امرأة كما هو معلن، بل يديرها رجل يتقمص هوية نسائية عبر حسابات متعددة لاستدراج النساء.

أظهرت التسريبات كواليس صادمة، إذ كانت تفاصيل الحياة الزوجية والاستشارات الأسرية الحساسة تُناقش أمام شخص مجهول الهوية بالنسبة لنساء وثقن بالمكان كملاذ آمن. وعقب هذه الفضيحة الرقمية، توقفت المجموعة فجأة عن العمل، بينما تزايدت المخاوف من وجود عشرات المساحات المشابهة التي تُدار بالطريقة ذاتها.

مؤشرات سلوكية لكشف المنتحلين

ورصدت معدّة التقرير أسلوبًا آخر يرافق اختراق المجموعات المغلقة، وهو استغلال الظروف الاقتصادية الصعبة عبر فخ التوظيف الرقمي من المنزل، حيث تنشر حسابات بأسماء نسائية إعلانات عمل، وما إن تنتقل المحادثات إلى التطبيقات الخاصة حتى يبدأ طلب وثائق وصور شخصية تحت ذريعة إجراءات التوظيف، لتتحول بعدها إلى أداة للابتزاز والتهديد.

بناءً على الفحص الفني للحسابات المشتبه بها وتتبع أنماطها الرقمية، برزت مؤشرات تكشف وجود هويات ذكورية خلف المعرفات الناعمة، وأبرزها: التناقض الجغرافي والسلوكي كادعاء الإقامة في مدن معينة بينما تفضح لهجة الكتابة وتوقيتات النشاط هويات مغايرة.

وأيضا، الاعتماد على الصور الجاهزة واختفاء التفاعل الطبيعي، الاستخدام المكثف لصور بروفايل عامة أو مسروقة (كصور من الخلف أو باقات ورد)، بالتزامن مع غياب تام لأي تفاعلات عائلية أو اجتماعية طبيعية في السجل الزمني (التايم لاين).

الهندسة الاجتماعية

يشير استشاري السلامة والتحول الرقمي، حمزة الترجمي، في حديثه لـ “نسوان فويس”، إلى أن الحسابات الوهمية لم تعد تُدار بعشوائية، بل تُبنى وفق أساليب هندسة اجتماعية مدروسة تجعل اكتشافها بالغ الصعوبة

ويوضح الترجمي، المحتال اليوم يصنع شخصية رقمية متكاملة عبر زراعة منشورات قديمة تعود لسنوات، وبناء دائرة أصدقاء متناسقة، فضلًا عن استخدام لهجة محلية قريبة جدًا من البيئة المستهدفة. هذا المظهر يمنح الضحية شعورًا زائفًا بالألفة، فالمنتحل لا يحتاج إلى اختراق الأنظمة والبرمجيات بقدر حاجته إلى اختراق الثقة 

وينبه الترجمي إلى أن أخطر خطوة تفعلها الضحية هي الرضوخ للمبتز، مؤكداً أن التصرف الصحيح يكمن في: قطع التواصل فوراً، حفظ الأدلة الرقمية (لقطات الشاشة والروابط)، وإبلاغ الجهات المختصة.

التكييف القانوني والفراغ التشريعي

من جانبه، يوضح المحامي والناشط الحقوقي توفيق الحميدي أن هذه الممارسات تقع تحت طائلة الجرائم الجسيمة كـ: انتحال الشخصية، انتهاك الخصوصية، والابتزاز الإلكتروني.

ولفت الحميدي في حديثه لـ “نسوان فويس” إلى المعضلة التشريعية في اليمن: رغم عدم وجود قانون مستقل وشامل للجرائم الإلكترونية يواكب التطور التكنولوجي في اليمن حتى الآن، إلا أن هذا الفراغ التشريعي لا يعني غياب المساءلة، إذ يمكن تطبيق نصوص قانون الجرائم والعقوبات اليمني النافذ المتعلقة بالتهديد، التشهير، وانتهاك حرمة الحياة الخاصة.

وشدد الحميدي على أن تثبيت الدليل الرقمي (عبر التقاط صور كاملة للمحادثات وحفظ روابط الحسابات بدقة) يمثل الركيزة الأساسية لنجاح البلاغ القضائي، داعيًا الضحايا إلى عدم مسح المحادثات تحت تأثير الخوف.

فخ الاستثمار العاطفي

وفي الجانب النفسي، تؤكد الأخصائية النفسية إخلاص الحكيمي أن الوقوع في فخ الخداع الإلكتروني لا يرتبط بالسذاجة أو قلة الوعي، بل يعتمد على ذكاء المحتال في استغلال احتياجات إنسانية طبيعية كالفضفضة والرغبة في الأمان داخل مجتمع محافظ ومثقل بالضغوط .

وتفسر الحكيمي استمرار بعض الضحايا في التجاوب رغم ظهور مؤشرات الخطر بما يُعرف بـ “الاستثمار العاطفي”، فبعد أن تمنح الضحية وقتها وأسرارها للحساب المزيف، يصبح الانسحاب في نظرها بالغ الصعوبة، خاصة عندما يبدأ المحتال بأساليب الترهيب لإبقائها تحت سيطرته، مما يترك آثارًا تدميرية تبدأ بصدمة فقدان الثقة وقد تصل إلى الاكتئاب الحاد.

تصاعد الأرقام والواقع الميداني في اليمن

هذه الظاهرة تعكس ظهور وحشًا حقيقيًا ينهش استقرار الأسر في زمن الحرب، فوفقًا للإعلانات الرسمية الصادرة عن السلطات الأمنية في مدينة عدن، تم ضبط نحو 170 جريمة إلكترونية منذ مطلع العام وحتى أكتوبر 2025. وهي نموذج واحد لما يحدث في عامة البلاد وسط شحة البيانات في بقية المحافظات.

 جدار الصمت الرقمي والتحركات المضادة

لم يكن الوصول إلى هذه الحقائق سهلًا، إذ واجه فريق الإعداد في منصة “نسوان فويس” تحديًا جمًا تمثل في تجاهل وصمت مديري المجموعات لنسائية المغلقة عند مواجهتهم بأسئلة حول آليات التحقق من هويات العضوات. ولم يتلقَ الفريق سوى ردود نادرة وعامة، أفادت باختصار بأن الإدارة تعتمد فقط على “الخبرة والممارسة الشخصية” لكشف المنتحلين وحظره ،وهو ما يجعلنا نتساءل عن التسيب الإداري في تلك المجموعات والذي من شأنه أن يضاعف المخاطر ويُسهل اصطياد النساء.

أمام هذا التحدي، بدأت منظمات المجتمع المدني بالتنسيق مع جهات دولية تكثيف جهودها، حيث أطلقت هيئة الأمم المتحدة للمرأة دورات وطنية لمكافحة العنف الرقمي، بالتزامن مع حملات توعوية مخصصة لطالبات الجامعات مثل جامعة إقليم سبأ حول رفع مستوى الوعي لدى طالبات الجامعة وموظفيها، لمواجهة الابتزاز الإلكتروني على النساء والفتيات.

 

مسؤولية المجموعات وسياسات المنصات

تكشف هذه الوقائع عن هشاشة الآليات الإدارية داخل المجموعات النسائية المغلقة، حيث تبين أن معظم مدراء المجموعات يعتمدون فقط على الخبرة والتقدير الشخصي للتحقق من هويات العضوات، وهو ما يجعل هذه المجتمعات بيئة سهلة للاصطياد الرقمي في ظل غياب أدوات تحقق صارمة.

أما عن دور شركة “ميتا”، فيرى الخبير الرقمي حمزة الترجمي أن أدواتها وسياساتها لمكافحة الابتزاز وانتحال الهويات تنصدم غالبًا بعائقين رئيسيين:

الأول بطء الاستجابة إذ تعتمد المنصات على الخوارزميات والذكاء الاصطناعي الذي يفتقر غالبًا لفهم السياق المحلي وتعدد اللهجات اليمنية، والأخر، تعقيد إجراءات الإبلاغ حيث واجهات الإبلاغ قد تكون معقدة بالنسبة لمستخدمة تعيش تحت لحظات الخوف والضغط النفسي.

ويختتم الترجمي بالقول إن حماية المستخدمات تتطلب سياسات مرنة تتفهم البيئات الثقافية المحلية، وتعاونًا أكبر مع المؤسسات المجتمعية لتوفير قنوات إبلاغ سريعة ومباشرة.

إن المعركة الحقيقية اليوم لم تعد مجرد مواجهة مع محتال يختبئ خلف اسم امرأة، بل مع منظومة خداع رقمي تتطور باستمرار وتستغل الاحتياجات الإنسانية والمساحات المغلقة. ويبقى الوعي السلوكي، والتحقق الحذر، والتحرك القانوني الشجاع، هو الجدار الصلب الذي تتكسر عليه هذه المصائد.

 

مقالات أخرى