خديجة خالد-نسوان فويس
لم تفق أم عبد الله من فاجعة رحيل زوجها بعد، حتى توالت عليها المآسي، فبمجرد وصول نبأ مقتله، سارعت أسرته إلى دفنه بعيدًا عنها، واقتحام منزلها والاستيلاء على كافة ممتلكات الزوج، بما فيها الأوراق الرسمية والوثائق الشخصية.
تروي أم عبد الله لـ “نسوان فويس” بمرارة: “حُرمت وأطفالي من توديعه الوداع الأخير بعد أن أخذ أقاربه جثمانه ليدفن في مسقط رأسه بالضالع دون علمنا”.
لم يتوقف الأمر هنا، ” نهبوا كل ما يملك أبو أطفالي من وثائق شخصية، وسلبوا المدخرات”. تقول أم عبد الله
توجه جد الأطفال فورًا إلى المحكمة واستخرج وثيقة حصر الورثة، ومنح نفسه الولاية الكاملة على الصغار وأموالهم مستنداً إلى نصوص قانونية تقدم الولي الذكر على الأم مهما كانت أهليتها، وتمكن بموجب ذلك من الاستيلاء على راتب والدهم المتوفي.
خاضت الأم معارك طاحنة في أروقة المحاكم مستمرة حتى اليوم، استطاعت قبل ذلك استرجاع راتب زوجها المتوفى عبر وسطاء، لكنها اليوم تقف أمام جدار قانوني آخر، إذ عجزت عن استخراج شهادات ميلاد لأطفالها، نظرًا لاشتراط مصلحة الأحوال المدنية حضور الجد أو العم كولي قانوني. في المقابل، يدير الجد ظهره لأحفاده تاركًا إياهم بلا هوية رسمية، مما يهدد حرمانهم من التعليم والرعاية الصحية.
تتذكر أم عبد الله بوجع وقوفها بالساعات أمام نافذة مصلحة الأحوال المدنية، ممسكة بأيدي أطفالها، قبل أن يصرخ الموظف بعبارته الجافة: هاتي الولي الذكر يا حُرمة، الأوراق لا تقبل منك. خرجت يومها تكسرها نظرات صغارها المحملة بالأسئلة، وهم يعجزون عن فهم كيف لأمهم التي تعمل ليلا ونهارا لتؤمن لهم المأكل والمشرب، أن تقف عاجزة وبلا قيمة أمام موظف يحرمهم من مجرد ورقة إثبات وجود.
مفارقة الحضانة والولاية
تتطابق معاناة أم عبد الله مع قصة نرجس (اسم مستعار)، التي وجدت نفسها بعد استشهاد زوجها عام 2015، معيلة لثلاث بنات وولدين. واجهت نرجس تعنت شقيق زوجها الذي استولى على راتب التقاعد لسبعة أشهر، قبل أن تتمكن عبر وساطات من استلامه كوكيلة واستمرت الخلافات بيننا، فأخذت أطفالي وتركت لهم كل شيء، حتى نصيب أطفالي من الأرض رفضوا أن يعطوني.
وامتدت القيود لتطال حق أبنائها في الحصول على بطاقات شخصية عند بلوغهم السن القانونية؛ إذ أبلغتها مصلحة الأحوال المدنية بضرورة حضور العم لإتمام الإجراءات، لتقف عاجزة أمام هذا الشرط وتتوقف المعاملة تمامًا، ليصبح الأبناء في نظر القانون غائبين بلا هوية.
تكشف قصتي أم عبد الله ونرجس، وهما نموذجان من بين مئات الأمهات اليمنيات- عن تناقض تشريعي صارخ؛ فالقانون اليمني يعترف بالمرأة بصفاتها كاملة الأهلية حين يتعلق الأمر بتحمل المساءلة الجنائية ودخول السجن، لكن المشرّع واللوائح الإدارية يُجرّدانها فجأة من هذه الأهلية بمجرد أن تصبح “أماً“!
فتتحول الأم بقدرة القوانين والتعاميم الذكورية إلى شخص “قاصر إدارياً“، لا يُؤتمن على أوراق أطفاله الرسمية أو اختيار مدارسهم، في حين تُمنح هذه الصلاحية المطلقة لأقارب ذكور قد لا يربطهم بالطفل سوى صلة الدم ولا ينفقون عليه فلساً واحداً.
توضح المحامية والمستشارة القانونية، أوراس فهيم، هذا الخلل البنيوي بالإشارة إلى إن القانون اليمني يمنح المرأة من حيث الأصل الأهلية المدنية الكاملة في التملك والتصرف وإبرام العقود والتقاضي، إلا أن أحكام قانون الأحوال الشخصية، واللوائح التنفيذية لقانون الأحوال المدنية، تضع قيوداً تجعل سلطتها الأسرية أدنى من سلطة الرجل، وبخاصة في مسائل الولاية وإثبات الهوية.
وترى فهيم أن الفجوة الكبرى تكمن في الفصل بين “الحضانة” و”الولاية”؛ فبموجب هذا التمييز، تكون الأم هي الحاضنة الفعلية للطفل والمسؤولة عن تفاصيل حياته اليومية والإنفاق عليه، لكنها لا تمتلك الصلاحيات القانونية لاستخراج وثائقه الرسمية، إذ تبقى الولاية الأصلية محصورة في الأب أو العصبة من الذكور (الجد، الأعمام).
وتستند هذه الإجراءات إلى المادة (262) من قانون الأحوال الشخصية اليمني رقم 20 لسنة 1992، والتي تنص صراحة على أن: “الوصي مقدم على القاضي، وإذا مات ولم يوصِ ففي رعاية الصغار وأموالهم يقدم الأب ثم وصيه ثم الجد ثم وصيه“.
ويرى المحامي جلال حنداد أن هذا النص التشريعي، واللوائح المرتبطة به في مصلحة الأحوال المدنية، يسقط حق الأم تمامًا من ترتيب الولاية الإدارية والثبوتية على أطفالها، رغم أنها الطرف الفعلي القائم برعايتهم وإعالتهم، مما يُعد تكريساً صريحاً للتمييز ضد الأم وحرماناً لها من حقوقها الطبيعية.
كلفة اجتماعية ونفسية باهظة
من جانبه، يرى الدكتور صالح حميد، أستاذ الاتصال الجماهيري ونائب عميد مركز النوع الاجتماعي سابقاً، أن المرأة اليمنية تعيش مفارقة حادة فرضتها الحرب والأوضاع الاقتصادية؛ إذ باتت آلاف النساء المعيل الرئيسي لأسرهن نتيجة الوفاة أو الاختفاء القسري، لكن هذه المسؤولية الواقعية لم تترجم إلى صلاحيات قانونية.
ويؤكد حميد أن هذا الوضع يخلق آثاراً اجتماعية ونفسية خطيرة؛ فعلى الصعيد الاجتماعي، يتسبب غياب الولاية الثبوتية للأم في تفاقم النزاعات الأسرية ويزيد من هشاشة وضع الأطفال حين ترهن مصالحهم بيد أطراف غير منفقة. أما نفسياً، فإن اضطرار الأم لخوض معاملات طويلة ومكلفة، وعجزها عن حسم القضايا العاجلة لأطفالها (كالتعليم والسفر والعلاج) بسبب شرط الولي الذكر، يولد لديها شعوراً دائماً بالقلق والاضطهاد وعدم الاستقرار، وينعكس سلباً على التنشئة النفسية للأطفال أنفسهم.
هل آن أوان المراجعة التشريعية؟
أمام هذا الواقع، يدعو المحامي فضل الحريري، وكيل قطاع الرقابة والتوعية القانونية بوزارة الشؤون القانونية في عدن، إلى ضرورة مراجعة التشريعات والإجراءات المنظمة للولاية، بما يضمن تحقيق “مصلحة الطفل الفضلى” ومواكبة الواقع الجديد للأسر اليمنية.
ويشير الحريري إلى أن المطلوب هو تحديث المنظومة التشريعية وتوسيع صلاحيات الأم في المسائل المرتبطة بالحياة اليومية والوثائق الثبوتية والتعليم، طالما أنها الطرف القائم فعلياً بالرعاية، خاصة في حالات وفاة الأب أو غيابه.
ويشدد الحريري على أهمية إيجاد آليات قضائية مستعجلة، وتوحيد المرجعيات الإدارية بين الجهات الرسمية (كالمدارس ومكاتب الأحوال المدنية)، لتحديد الحالات التي تستطيع فيها الأم مباشرة شؤون أطفالها بقوة القانون، تجنباً لإدخال الأسر في نزاعات طويلة تستنزف الموارد المتاحة، وتهدد حق جيل كامل في التعليم والهوية والعيش الكريم.
في اليمن، أتاحت الحرب للمرأة المعيلة حق تحمل مشقة التربية وتوفير لقمة العيش منفردة تحت قسوة الظروف الاقتصادية، إذ تزايد أعداد النساء المعيلات لأسرهن لكن المنظومة القانونية تسحب منها هذا الحق عند عتبات مكاتب الأحوال المدنية، لتظل الأم قادرة على منح أطفالها الحياة، وعاجزة بحكم القانون عن إثبات وجودهم.

