” براءة ” يمنية تُستنزف خلف الشاشات

شارك المقال

منيرة أحمد الطيار 

في عالم باتت تُقاس فيه تفاصيل الحياة بحجم التفاعل والمشاهدة على منصات التواصل الاجتماعي، تحوّلت الهواتف الذكية من أدوات لتوثيق اللحظات العائلية العابرة إلى منصات تضع خصوصية الأطفال وبراءتهم على المحك.

من خلف الشاشات البراقة والفلاتر الملوّنة، كبر أطفال قبل آوانهم حين وجدوا أنفسهم مجبرين على إعادة حركاتهم أو تصّنع ضحكاتهم تلبيةً لرغبة أولياء أمورهم في صناعة محتوى، وهو التحوّل المتسارع الذي أخرج ظاهرة (أطفال السوشيال ميديا ) من سياق الترفيه العائلي ليضعها في قلب جدل حقوقي ونفسي وقانوني واسع يتأرجح بين حدود الأمان الرقمي وبين انتهاك خصوصية الصغار.

متنفس رقمي

ليست كل نوافذ السوشيال ميديا تسعى خلف بريق المال؛ فخلف بعض الحسابات تكمن حكايات إنسانية تبحث عن الأمان، تماماً مثل قصة الطفلة اليمنية “روح” ذات الأعوام الثمانية التي انتقلت مع عائلتها للعيش في بريطانيا.

إذ وجدت “روح ” في الكاميرا متنفساً للهروب من وحشة الغربة وعائق اللغة الذي منعها من تكوين صداقات في محيطها الجديد، حيث تعبّر عن تجربتها بعفوية طفولية قائلة إنها تحب التصوير كثيراً لتوثيق يومياتها واحتفالاتها لكي تحتفظ بها كذكريات دافئة.

وتضيف في حديث لـ”نسوان فويس” أن أكثر ما يسعدها هو التعليقات الجميلة التي تتلقاها، بينما يزعجها اهتزاز الصورة أو مصادفة كلمات غير لطيفة، مشيرة إلى أن محيطها المدرسي لا يتأثر بهذه الشهرة نظراً لمنع الهواتف في مدرستها البريطانية ولأن قناتها الناطقة بالعربية تتوجه أساساً للجمهور في اليمن والمنطقة العربية الذين يتفاعلون معها بشغف.

استراتيجية الحماية 

من جانبها تؤكد والدة روح أن فكرة النشر بدأت أساساً بطلب من طفلتها لتجاوز مشاعر العزلة مؤكدة حرصها على أن تحافظ الفيديوهات على عفوية طفلتها المطلقة دون أي تصنع أو توجيه.

لكن هذه الاستجابة ليست بلا ضوابط، بل تستند، كما تقول والدتها، إلى استراتيجية حماية صارمة تعتمد على إبقاء تفاصيل الحياة اليومية الخاصة بعيدة عن الأضواء مع المراقبة اللحظية للتعليقات وحذف المسيء منها فوراً لصون سلامة طفلتها النفسية والابتعاد التام عن السعي وراء أي عائد مادي أو إعلانات تجارية إيماناً منها بأن هذه المادة ستشكل أرشيفاً سعيداً لـ”روح” عندما تكبر خاصة وأن نشاط الطفلة الافتراضي تراجع تلقائياً بمجرد انخراطها في مقاعد الدراسة واستعادتها لحياتها الاجتماعية الطبيعية.

“عزمني أحد الزملاء ،مرحباً بقدومي لمنزلهم ،بشرط ألا أقوم بالتصوير، لكن هذا العرض قوبل برفض من قبل والدي” 

مصدر دخل 

لكن الوجه الآخر لهذه الشهرة يُظهر بمرارة تفوق ملامح الطفولة التي تصطنع الإبتسامات على الشاشات، وهو ما تؤكده حالة طفل يمني مشهور لم يتجاوز العاشرة من عمره، فضّل عدم ذكر اسمه ،بعد أن تحوّل بفعل الأضواء إلى مصدر دخل وحيد ورئيس لأسرته، عبر نافذة الإعلانات والحفلات والظهور المستمر على منصات التواصل الاجتماعي.

في السياق وبنبرة مثقلة بالهموم، يقول الطفل، أنه لم يعد يشعر بأنه طفل أبداً كون كل حركة من حركاته باتت محسوبة عليه وتتناقلها أخبار السوشيال ميديا، مما ألقى بظلاله القاتمة على علاقاته بزملائه في المدرسة ، وحرمه من العيش كطفل عادي يُخطئ ويتشاقى كبقية أقرانه.

يستذكرالطفل بكثيرموقفاً تحدثت فيه لـ “نسوان فويس” بالقول: ” عزمني أحد الزملاء ،مرحباً بقدومي لمنزلهم ،بشرط ألا أقوم بالتصوير، لكن هذا العرض قوبل برفض من قبل والدي ” .

ويختتم الطفل شهادته الصادمة بالقول إن عائلته سعيدة جداً لأنه مشهور ويحصل على الهدايا والمقابل المادي، لكن هذا البريق الخارجي يجعله غير سعيد في أغلب الأوقات.

شهرة الشاشات

وبالرغم من وجود نماذج واعية تحرص على الحماية والأمان كوالدة “روح”، إلا أن التوسع العشوائي والمنفلت لهذه الظاهرة وتحوّلها إلى تجارة واسترزاق كما في الحالة الثانية، هو ما يثير قلقاً عميقاً لدى المختصين، حيث تلتقي رؤية أخصائية علم النفس، تهاني الدعيس، مع الطرح التربوي للأخصائية الاجتماعية بمدرسة جيل المعرفة، أمنية جمال، في التحذير من تحوّل (شهرة الشاشات) إلى أحد أخطر أشكال الاستغلال الحديث للطفولة عندما تُستثمر براءة الصغار وتُستباح تفاصيل حياتهم تحت مسمّيات براقة كالمحتوى العائلي، بينما تتوجه الدوافع الحقيقية نحو تقديم مصالح الكبار والمكاسب المادية على حساب سلامة الطفل وحقه الأصيل في الخصوصية.

الظهور و التدفق الرقمي للأطفال يورّث آثاراً نفسية وتربوية عميقة بعيدة المدى، تتصدرها أزمة اهتزاز القيمة الذاتية، حيث يربط الطفل كينونته ونمو هويته بحجم التفاعل الافتراضي ليصبح قبوله مشروطاً بالأداء الاستعراضي أمام الكاميرا بدلاً من بناء تقدير واقعي لذاته

هشاشة نفسية 

وترى الخبيرتان أن الظهور و التدفق الرقمي للأطفال يورّث آثاراً نفسية وتربوية عميقة بعيدة المدى، تتصدرها أزمة اهتزاز القيمة الذاتية، حيث يربط الطفل كينونته ونمو هويته بحجم التفاعل الافتراضي ليصبح قبوله مشروطاً بالأداء الاستعراضي أمام الكاميرا بدلاً من بناء تقدير واقعي لذاته. كما يتسبب هذا الظهور المستمر في خلق هشاشة نفسية تجعل الصغار عرضة للاكتئاب والقلق الاجتماعي لاسيما عندما تتحول أخطاؤهم العفوية أو لحظات ضعفهم ومرضهم إلى مشاع عام يخضع للمراقبة والتقييم والتهكم، مما يمهد الطريق للتنمر الإلكتروني وفقدان الثقة بالنفس.

وبالإضافة إلى ذلك، تتلاشي الحدود الحمراء واضطراب مفهوم الخصوصية والتعلم لدى الطفل الذي يُجبر على تمثيل مشاهد لا يدرك أبعادها في وقت يحتاج فيه لبيئة واقعية آمنة تنضج فيها شخصيته بعيداً عن أسر الرقابة الرقمية التي قد تلاحقه وصماتها في مستقبله المهني والاجتماعي.

وفي هذه الحالة، تحضر القاعدة الذهبية التي تشير إلى أن الطفل لا يكون مؤهلاً للظهور العلني إلا عندما يمتلك الوعي الكامل للتمييز بين ذاته الحقيقية وصورته الافتراضية كون الأطفال أفراداً في طور التكوين وليسوا أدوات تسويق أو مشاريع ربحية عابرة.

قوانين صارمة

لم يعد هذا السجال حبيس الغرف التربوية، بل تحوّل في دول الجوار العربي إلى قوانين وتشريعات صارمة تفرضها الحكومات لمنع تسليع الطفولة افتراضياً، إذ تحرّكت التشريعات في المملكة العربية السعودية بوضوح لتدخل حيز التنفيذ بحظر استغلال الأطفال وتصويرهم على منصات التواصل الاجتماعي مانعة التباهي بالأموال أو اتخاذ الصغار والعمالة كأدوات للترويج التجاري دون ضوابط مشددة.

وفي هذا الاتجاه، ذهبت دولة الإمارات العربية المتحدة إلى مدى أبعد بإقرار قواعد غير مسبوقة تحظر على الأطفال دون سن الخامسة عشرة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كليا، مانعةً إياهم من إنشاء الحسابات أو النشر أو التفاعل مع إلزام المنصات بتطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي والهوية الرقمية للتحقق الصارم من الأعمار لحماية الطفولة وصون خصوصيتها.

يبدو المشهد في اليمن غارقاً في عشوائية مطلقة وصمت قانوني تام يجد معه الطفل اليمني نفسه مجرداً من أي حصانة تقيه رغبات الوالدين في تحويل بكائه وضحكاته وتفاصيل حياته إلى مادة مشاعة للاسترزاق وحصد المشاهدات وجلب الإعلانات في ظل قصور القانون المحلي

سور تشريعي 

وفي مقابل هذا السور التشريعي الذي يرتفع في المنطقة لضبط الفضاء الرقمي، يبدو المشهد في اليمن غارقاً في عشوائية مطلقة وصمت قانوني تام يجد معه الطفل اليمني نفسه مجرداً من أي حصانة تقيه رغبات الوالدين في تحويل بكائه وضحكاته وتفاصيل حياته إلى مادة مشاعة للاسترزاق وحصد المشاهدات وجلب الإعلانات في ظل قصور القانون المحلي عن الفصل بين حدود الرعاية الأبوية وبين الانتهاك الصارخ لبراءة طفل لا يملك وعياً ولا خياراً، ليظل الصغار هنا الحلقة الأضعف في سوق افتراضي مفتوح بلا رقيب أو حسيب.

غياب محلي 

وإذا كانت القوانين الصارمة في دول الجوار قادرة على وضع حد للشاشات، فإن غيابها محلياً يضع الثقل الأكبر على الوعي الأسري كونه خط الدفاع الأول والأخير لإنقاذ براءة الأطفال؛ فالأمر لا يتطلب نصوصاً تشريعية جافة بقدر ما يحتاج إلى ضمير تربوي يستوعب تماماً أن لقطة عابرة أو آلاف الإعجابات الزائفة أو حتى العوائد المادية المؤقتة لا توازي أبداً التضحية باستقرار وخصوصية طفولة لن تتكرر.

 

مقالات أخرى