الفن كملاذ للتعافي ..يمنيات يحاولن النجاة 

شارك المقال

سميرة عبداللطيف-نسوان فويس 

في إحدى الزوايا، تقف الفنانة اليمنية جنات آغا أمام الميكروفون، مغمضة عينيها للحظات قبل أن يبدأ صوتها بالارتفاع تدريجيًا.

بالنسبة لمن يشاهد جنات، تبدو له وكأنها تؤدي أغنية فحسب، لكن بالنسبة لها، فإن كل كوبليه موسيقي يحمل جزءًا من حكاية شخصية، وكل نغمة تخفف ثقل من ضغوط تراكمت بفعل سنوات من التحديات اليومية.

خلفت الحرب في اليمن آثارًا نفسية واجتماعية عميقة، إذ لم يعد الفن بالنسبة لكثير من النساء مجرد هواية أو وسيلة للترفيه، بل أصبح مساحة آمنة للتنفيس عن المشاعر، واستعادة التوازن النفسي، وإعادة اكتشاف الذات.

فبين الأغنية واللوحة والكاميرا، تروي نساء يمنيات كيف تحول الإبداع إلى وسيلة للصمود في مواجهة القلق والعنف والعزلة الاجتماعية.

ورغم استمرار النظرة المجتمعية المحافظة تجاه عمل المرأة في المجال الفني، تؤكد قصص فنانات ومبدعات يمنيات أن الفن لم يغير حياتهن فحسب، بل ساعدهن على تجاوز لحظات قاسية، وفتح أمام بعضهن أبوابًا جديدة للتمكين النفسي والاجتماعي والاقتصادي.

الآغا : في العمل دائمًا يسألوني: ليش أنتِ رايقة؟ ويستغربون لما يشوفوني أسمع أم كلثوم وسط ضغط الشغل، هم يرونها مجرد أغاني، لكن ما يعرفوش إن الفن فعلًا يغير الحالة النفسية، ويطلع الإنسان من الضغط الذي يعيشه ، ويخليه أكثر هدوءًا” 

الغناء…كلغة للمشاعر

لم تكن جنات أغاء تدرك في البداية سبب ارتباطها بالغناء كلما مرت بظروف صعبة، لكن فضولها دفعها للبحث عن العلاقة بين الفن والصحة النفسية.

تقول جنات ل”نسوان فويس”: “لقيت نفسي كلما تعرضت لموقف أو إحباط معين، أبدأ أغني تلقائيًا ، قرأت وبحثت لفترة حول سبب هذا الشعور، فاكتشفت أن الفنان غالبًا يلجأ إلى الفن الذي يمارسه كنوع من التنفيس من الضغوطات.”

بالنسبة للآغا، لم يعد الغناء مجرد موهبة، بل وسيلة لفهم مشاعرها والتعامل معها، أغنية تؤديها تحمل إحساسًا عاشته، وكل لحن يمنحها فرصة لتفريغ ما تعجز الكلمات اليومية عن التعبير عنه.

وتضيف مبتسمة: “في العمل دائمًا يسألوني: ليش أنتِ رايقة؟ ويستغربوا لما يشوفوني أسمع أم كلثوم وسط ضغط الشغل، هم يروها مجرد أغاني، لكن ما يعرفوش إن الفن فعلًا يغير الحالة النفسية، ويطلع الإنسان من الضغط ويخليه أكثر هدوءًا.”

لكن الطريق أمام جنات لم يكن خاليًا من التحديات،فمجرد ظهور امرأة على المسرح أو في مقطع غنائي، تتحول الأنظار – بحسب قولها- من تقييم العمل الفني إلى حكم على المرأة نفسها.

في السياق تروي إحدى المواقف التي ما تزال عالقة في ذاكرتها: “نشرت مرة فيديو يجمعني مع فنان راب وعازفة موسيقية، لكن أغلب التعليقات كانت عليّ أنا، شعرت أن المشكلة عند البعض ليست مع الفن، بل مع وجود المرأة فيه.”ورغم ذلك.

ترفض جنات اختزال الفن في الترفيه فقط، مؤكدة بأن : “الفن له رسالة، وكثير من الفنانين كان لهم دور في خدمة المجتمع والدفاع عن قضايا إنسانية. لذلك أرفض فكرة أن الفن بلا قيمة.” وتحلم بأن ترى مزيدًا من النساء اليمنيات، بما في ذلك المحجبات، يقفن على المسارح المحلية والدولية دون خوف من الأحكام المسبقة.

وتقول: “أتمنى أشوف أصوات نسائية يمنية توصل للعالم، الموهبة ليس لها علاقة بالشكل أو اللباس، وإنما بما يحمله الإنسان من إحساس وموهبة ورسالة.”

لم يكن الغناء وحده ملاذها، بل أكدت أنها عندما مرت بمرحلة أكثر صعوبة، وجدت نفسها تتجه إلى الرسم أيضًا.

“في فترة كان الضغط أكبر، فبدأت أتعلم أساسيات الرسم. اكتشفت أن الفن، مهما كان نوعه، يخرج طاقة كبيرة من الإنسان، ويخفف التوتر بطريقة يصعب وصفها.”

الرسم في الظل

قصة جنات ليست الوحيدة. (أ.ع) ،رسامة يمنية على بُعد مئات الكيلومترات، تقضي أوقاتا طويلة ترسم ، لكنها ترفض حتى اليوم أن يعرف كثيرين عن موهبتها. ليس لأنها تخجل من موهبتها، وإنما لأنها تخشى رفض المجتمع وأسرتها، التي ما تزال ترى أن ظهور المرأة في الوسط الفني أو اختلاطها بالآخرين أمر غير مقبول.

تزوجت (ا.ع) في سن مبكرة، وعاشت سنوات من العنف الأسري، قبل أن تجد في الرسم نافذة صغيرة تتسع لكل ما عجزت عن قوله: “كل الضغوط التي كنت أتعرض لها بسبب زوجي كنت أفرغها على الورق، أشعر حين أرسم كأن شيئًا ثقيلًا يتزحزح من داخلي، وكأن اللوحة تستوعب كل الوجع.” تقول (أ.ع) لـ”نسوان فويس”، ورغم أن الرسم لم يغيّر واقعها، إلا أنه غيّر طريقتها في مواجهته.

وتتابع : “الفن يساعد كثيراً على تعزيز الصحة النفسية، لأنه يمنح الإنسان فرصة للتعبير عن مشاعره بطريقة صحية. عندما يرسم الإنسان أو يكتب أو يغني، فإنه يخرج ما بداخله من خوف أو قلق أو حزن، وهو ما ينعكس على حالته النفسية.”

منوهةً إلى أن كثيرًا من النساء يحملن ضغوطًا نفسية واجتماعية لا يجدن دائمًا من يصغي إليهن، فيتحول الفن إلى لغة بديلة، تسمح لهن باستعادة التوازن والشعور بالإنجاز.

وتختم حديثها بالقول: “كل رسمه أنتهي منها أشعر أنني انتصرت على جزء من الحزن الذي بداخلي، الرسم أعاد لي الإحساس أن عندي شيئًا جميلًا أستطيع أن أقدمه رغم كل الظروف.”

لكن حتى اليوم، ما تزال تخفي رسومتها، خوفًا من الانتقادات أو رفض الأسرة، وهو واقع تشترك فيه كثير من الفنانات اليمنيات اللاتي يمارسن الإبداع في مساحات ضيقة، بعيدًا عن الظهور والأضواء.

لغة تتجاوز الألم

تتقاطع قصص نساء يمنيات وجدن في الإبداع مساحة آمنة لاستعادة ذواتهن، وهو ما تؤكده الكاتبة والفنانة التشكيلية أسماء الشيباني ، التي ترى أن الفن ليس ترفا ثقافيا، بل حاجة إنسانية، تزداد أهميتها في المجتمعات التي عاشت النزاعات والأزمات.

لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن الفنانات في اليمن ما زلن يواجهن تحديات كبيرة.

 

الفن كمساحة للتفريغ

ولا تقتصر أهمية الفن على كونه وسيلة للتعبير، بل يمتد أثره إلى الصحة النفسية، بحسب الأخصائية النفسية، لطيفة محمد، التي ترى أن ممارسة الفنون تعد من الوسائل الداعمة للتعافي النفسي، خاصة لدى النساء اللواتي يعشن ضغوطًا متراكمة بسبب الظروف الاقتصادية والاجتماعية أو آثار النزاعات.

مشيرةً إلى أن الإنسان عندما يعجزعن التعبير بالكلام، يبحث عن وسيلة أخرى يفرغ من خلالها مشاعره، وهنا يأتي دور الفن. “الغناء والرسم والكتابة والموسيقى ليست مجرد مواهب، بل وسائل تساعد المرأة على التنفيس عن مشاعرها، وتنظيم انفعالاتها، والتخفيف من مستويات القلق والتوتر، واستعادة الشعور بالسيطرة على حياتها.” تقول لطيفة لـ “نسوان فويس”.

وتضيف أن الانخراط في الأنشطة الفنية يعزز الثقة بالنفس، ويمنح المرأة شعورًا بالإنجاز، كما يسهم في بناء علاقات اجتماعية صحية من خلال المشاركة في الأنشطة الثقافية والإبداعية.

مؤكدة أن الفن لا يمكن أن يحل محل العلاج النفسي في الحالات التي تتطلب تدخلاً متخصصًا، لكنه يمثل أداة مساندة مهمة في رحلة التعافي، خصوصًا عندما يكون جزءًا من بيئة تشجع المرأة على التعبير عن ذاتها دون خوف من الوصم أو الانتقاد.

تأثير يتعدى الفرد

من منظور اجتماعي، ترى أخصائية علم الاجتماع ، أروى محمد ، أن أثر الفنون لا يتوقف عند تحسين الحالة النفسية للفرد، بل يمتد إلى المجتمع بأكمله، على اعتبار أن المرأة التي تجد مساحة للتعبير عن ذاتها تصبح أكثر قدرة على التفاعل مع أسرتها ومحيطها، وأكثر ثقة في المشاركة بالحياة العامة.” تساعد الفنون، النساء على الخروج من دائرة العزلة، وبناء علاقات اجتماعية قائمة على الاهتمامات المشتركة، وهو ما يعزز الشعور بالانتماء والدعم المتبادل.”

وتضيف أن المجتمعات التي تستثمر في الثقافة والفنون تكون أكثر قدرة على ترسيخ قيم الحوار والتسامح والتعايش، لأن الإبداع يجمع الناس حول القيم الإنسانية المشتركة بعيدًا عن الاختلافات.

وترى أن دعم الفنانات لا يقتصر على تشجيع الإبداع، بل يسهم في تمكين المرأة اجتماعيًا، ويمنحها مساحة للتأثير وصناعة التغيير داخل مجتمعها.

في كل فعالية ننظمها نسمع من المشاركات قصصًا مؤثرة عن الأثر الذي تركته الفنون في حياتهن. كثير من النساء يقلن إنهن يشعرن براحة نفسية بعد المشاركة، وإن مجرد وجودهن في مساحة آمنة تسمح لهن بالتعبير عن أنفسهن يخفف جزءًا كبيرًا من الضغوط التي يعشنّها.”

التعافي بالفن والثقافة 

وتؤكد رئيسة مؤسسة سطور الثقافية حنين الاغوني، أن التجربة اليومية للمؤسسة تكشف حجم الحاجة إلى الفنون، خاصة لدى النساء.

وتقول في حديث لـ “نسوان فويس” : “في كل فعالية ننظمها نسمع من المشاركات قصصًا مؤثرة عن الأثر الذي تركته الفنون في حياتهن. كثير من النساء يقلن إنهن يشعرن براحة نفسية بعد المشاركة، وإن مجرد وجودهن في مساحة آمنة تسمح لهن بالتعبيرعن أنفسهن يخفف جزءًا كبيرًا من الضغوط التي يعشنّها.”

وتشير إلى أن الإقبال المتزايد من النساء على الأنشطة الثقافية يعكس الحاجة الحقيقية إلى هذه المساحات، التي لا تقتصر على تنمية المواهب، بل تسهم في تحسين الصحة النفسية وتعزيز الشعور بالانتماء. وتضيف أن الفنون أصبحت بالنسبة لعدد من النساء وسيلة لتحقيق الاستقلال الاقتصادي أيضًا.

وتوضح: “رأينا نساء بدأنّ بالرسم أو الأشغال اليدوية أو الكتابة كهواية، ثم تحولت هذه المواهب إلى مصدر دخل ساعدهن على تحسين أوضاعهن المعيشية وإعالة أسرهن، لذلك ننظر إلى الفنون بوصفها وسيلة للتعافي النفسي، وفي الوقت نفسه أداة للتمكين الاقتصادي.”

وترى أن الاستثمار في الثقافة والفنون هو استثمار في الإنسان، داعية إلى إدماج الأنشطة الثقافية ضمن برامج التنمية والدعم النفسي والاجتماعي، وإتاحة المزيد من الفرص للفنانات والمبدعات في مختلف المحافظات.

الفن بداية حياة

بين جنات التي تجد في الغناء وسيلتها لمقاومة الضغوط، ورسامة تخفي لوحاتها عن الأنظار خشية رفض المجتمع، وعشرات النساء اللواتي يجدن في الفعاليات الثقافية مساحة للتعبير والتعافي، تتشكل صورة مختلفة للفن في اليمن.

لم يعد الفن مجرد هواية أو نشاط ترفيهي، بل تحول إلى لغة للتعبير، وأداة للصمود، ونافذة تطل منها النساء على حياة أكثر اتزانًا وأملًا.

ورغم التحديات الاجتماعية والثقافية التي ما تزال تواجه الفنانات، تؤكد هذه القصص أن الإبداع قادر على كسر العزلة، وترميم ما تتركه الأزمات في النفوس، وفتح آفاق جديدة للمشاركة والتمكين.

قد لا يستطيع الفن أن يوقف النزاعات أو يزيل آثارها في بلد أنهكته الحرب، لكنه يمنح النساء شيئًا لا يقل أهمية؛ القدرة على الاستمرار، والتعبير، وإعادة بناء ذواتهن.

 

 

 

مقالات أخرى