حين تصنع امرأة الأمان الرقمي.. أسماء الحميري تكسر مخاوف الصيانة

شارك المقال

بشرى الغيلي 

تُعزى كثير من مشكلات الخصوصية والانتهاكات التي تطال بيانات الهواتف المحمولة في اليمن، والتي تعود إلى الواجهة بين الحين والآخر، إلى قصور واضح في خدمات ما بعد البيع التي تقدمها الشركات العاملة في هذا القطاع. واقع يدفع شريحة واسعة من المستخدمين إلى اللجوء لمهندسين وورش صيانة تعمل بمبادرات فردية، بعيداً عن كيانات مؤسسية تضمن معايير الجودة وحماية خصوصية العملاء. 

ففي سوق يضم شركات استيراد متعددة ووكلاء لعلامات تجارية عالمية، تبرز فجوة واضحة في هيكلة خدمات الصيانة، وغياب مراكز معتمدة توفر بيئة آمنة تراعي حساسية البيانات الشخصية والخصوصية المجتمعية.

القانون والخصوصية المؤجلة

رغم أن عدداً من وكلاء الشركات والجهات المستوردة تمتلك مراكز صيانة في العاصمة وبعض الفروع في المحافظات، وتستوعب طواقم من المهندسين، إلا أن هذا التواجد المؤسسي لم يحل أزمة “الطمأنينة” بشكل جذري من الناحية النظرية، توفر الكيانات التابعة للشركات مظلة حماية قانونية مهمة تجنب العملاء مخاطر تسريب البيانات؛ إذ ينص القانون  رقم (12) لسنة 1994م بشأن الجرائم والعقوبات، في المادة 257 منه في بابه المتعلق بـ “إفشاء الأسرار”، عقوبات صارمة، ويضع الشركات أمام مسؤولية قانونية مباشرة تلزمها بضبط عامليها وحماية أسرار العملاء.

​لكن هذا الانضباط القانوني يصطدم بقصور في سياسات التوظيف والاستيعاب داخل تلك الشركات؛ حيث يُسجل غياب شبه تام للمهندسات عن أقسام الصيانة التقنية الدقيقة (الهاردوير والسوفتوير)، رغم امتلاكهن المؤهلات والخبرات اللازمة كبطلة قصتنا. وبدلاً من تمكين المرأة في التخصص الهندسي لتلبية احتياجات العميلات الباحثات عن الخصوصية المطلقة، يتم توجيه الكادر النسائي في الغالب نحو الأعمال الإدارية، كالسكرتارية والاستعلامات وخدمة العملاء.

رحلة كسر الاحتكار

​أمام هذا الواقع الوظيفي، وافتقار السوق لخيارات الصيانة النسائية الآمنة، تبرز المبادرات الفردية كحلول عملية تسد الفجوة التي خلفتها الشركات،  ومن هذا المنطلق تسلط “نسوان فويس” الضوء على الشابة اليمنية “أسماء الحميري”؛ المهندسة التي اقتحمت هذا المجال بشجاعة، لتؤسس مساحة تقنية نسوية لصيانة هواتف النساء.

​تقف أسماء  بثقة خلف طاولة مزدحمة بالمفكات الدقيقة، تترقب عيناها تفاصيل “اللوحة الأم” (Motherboard)، وتفكك أجزاء الجوال ببراعة مذهلة لتنظيفه، كما تخبرنا بعفوية: “أفك الجوال كامل عشان أنظف الصوت، ما كنت عارفة إني لازم أنظفه من الداخل والخارج”.

البداية من الحاجة

دخول أسماء هذا العالم لم يكن نابعاً من شغف تقني مبكر، بل من ظروف شخصية قادتها يوماً للبحث عن مهندسة امرأة لصيانة هاتف عائلي دون جدوى. بدأت رحلتها من شاشة الإنترنت، مستفيدة من الفيديوهات التعليمية، قبل أن تلتحق بمعهد متخصص في صنعاء  لم تكتفِ بالجانب النظري، بل اتخذت من هواتف العائلة وتلك الأجهزة التالفة الملقاة في زوايا البيت حقل تجارب يومي.

تصف شعورها عند إصلاح أول هاتف بأنه مزيج مربك من الخوف والفخر؛ اللحظة التي أضاءت فيها الشاشة كانت إعلاناً ببدء مسيرتها لاحترافية ، في تشخيص أعطال “الهاردوير” و”السوفتوير”.

 

​التحدي يصنع النجاح

لم يكن طريق أسماء إلى تأسيس مشروع تقني في مجال دقيق مفروشاً بالورود. فمنذ أن كانت طالبة، واجهت تحديات مالية في توفير التجهيزات اللازمة، واصطدمت بندرة قطع الغيار الأصلية وتقلبات أسعارها. وعندما افتتحت محلها، استقبلها كثيرون بنظرات الاستغراب والتشكيك، إلا أنها حوّلت تلك المواقف إلى حافز، قائلة: “كانت تلك الانتقادات دافعاً لي حتى أثبت للجميع أنني أستطيع”. وبين ضجيج الإحباط، وصعوبة التعامل مع أجهزة أفسدتها محاولات إصلاح خاطئة، ظل دعم أسرتها، ولا سيما والدها، السند الأكبر وطوق النجاة الذي منحها الثقة للاستمرار وبناء مشروعها الخاص.

الحميري:”كانت الانتقادات دافعاً لي حتى أثبت للجميع أنني أستطيع، وأن المرأة قادرة على النجاح حتى في أكثر المجالات التقنية دقة”

الثقة قبل الصيانة 

لا يقتصر يوم أسماء كمهندسة صيانة على التعامل مع الأسلاك والشاشات وقطع الغيار، بل يمتد إلى ترميم شعور النساء بالأمان والثقة. ففي ورشتها الصغيرة، لا تُصلح الهواتف فحسب، بل تُعيد الطمأنينة إلى صاحباتها. تبتسم وهي تستحضر عميلات دخلن إليها ودموع القلق تملأ أعينهن، خوفاً من فقدان صورهن وملفاتهن الخاصة، قبل أن تتحوّل تلك الدموع إلى فرحة غامرة بمجرد استعادة البيانات، وهي أثمن فرحة.

ولا يخلو يومها من الطرافة مع عميلات ينعين هواتفهن، بينما المشكلة بسيطة يُمكن إصلاحها خلال دقائق. ومع مرور الوقت، لم يعد المشروع بالنسبة لها مجرد ورشة لصيانة الهواتف، بل رسالة تقوم على بناء الثقة وصون الخصوصية.

تستذكر بفخر أحد الزبائن الذي تطوّع بالتعريف بمشروعها والتوصية به للآخرين، لتزداد قناعة بأن خصوصية المرأة ليست مجرد خدمة إضافية، بل قيمة تعني لها الأمان قبل أي شيء آخر.

“لم يعد مشروعي مجرد ورشة لصيانة الهواتف، بل رسالة لبناء الثقة وصون خصوصية النساء قبل أي شيء آخر”

​حلم يتسع غداً

لا تتوقف طموحات أسماء عند هذا الحد؛ فهي تخطط مستقبلاً لتوسيع خدماتها لتشمل البرمجة المتقدمة والحماية، وحلمها الأكبر هو تدريب فتيات أخريات لتأسيس “مجتمع نسائي تقني” قادر على المنافسة وسد الفجوة التي يتجاهلها سوق العمل.

توجه أسماء رسالتها عبر”نسوان فويس” لكل فتاة : “لا تترددي، حتى لو كان الجميع ضدكِ في البداية، ثقي بنفسك، وابدئي بخطوة بسيطة، فالصعوبات موجودة، لكن الإصرار يصنع الفرق”.

لا تروي هذه القصة نجاح مشروع فردي فحسب، بل تدق ناقوس الخطر أمام الكيانات التجارية والجهات المختصة المتقاعسة عن حماية حقوق النساء التقنية

ففي الوقت الذي تواصل فيه الوكالات الكبرى تهميش الكفاءات النسائية، وتعجز عن توفير بيئات صيانة تراعي الحساسية المجتمعية وتحمي بيانات العميلات، تثبت أسماء أن صناعة الأمان التقني لا تحتاج إلى صالات عرض فاخرة أو شعارات لوكالات عالمية، بقدر ما تحتاج إلى إرادة حقيقية، ومسؤولية مهنية، وأنامل تدرك جيداً أن ما تصلحه خلف طاولتها ليس مجرد شاشات مكسورة وأسلاك باردة، بل هي طمأنينة نساء، وخصوصية وأسرار مجتمع بأكمله.

مقالات أخرى