نساء اليمن والرياضة.. معركة مع الوقت والعادات

شارك المقال

سلام الشرقي-نسوان فويس 

 

“أعيش حالة من الهوس تلازمني بشكل يومي، أبحث باستمرار عن السعرات الحرارية في الوجبات، وأركز على كمية الطعام التي أتناولها، وأتفحص المكونات قبل الطبخ…” بهذه الكلمات بدأت سعاد العريقي، وهي تربوية وأم لأربعة أطفال، حديثها ل”نسوان فويس”، واصفةً معاناة كثير من النساء اليمنيات مع غياب الخيارات المتاحة لممارسة الرياضة، رغم الحاجة الصحية الملحة إليها، وما تمثله من ضرورة متعددة الأوجه للرجال والنساء على حد سواء.

تحديات عملية

تقول سعاد إنها تعيش في أطراف العاصمة صنعاء، في منطقة أقرب إلى الريف، حيث لا توجد أندية رياضية مخصصة للنساء، كما أن المنزل الذي تسكنه يفتقر إلى مساحة تسمح لها بممارسة التمارين، فضلاً عن عدم قدرتها على شراء أجهزة رياضية منزلية. وحتى رياضة المشي، التي تُعد من أبسط الأنشطة البدنية، لا تجد إليها سبيلاً في بيئتها.

وتضيف: “لهذا أحاول تعويض كل ذلك بالحرص على أن يكون ما أتناوله صحياً، لكنني أفشل في كثير من الأحيان، ومع ذلك لا أستسلم”.

ورغم أن أعداد الأندية الرياضية في اليمن شهدت تزايداً خلال السنوات الأخيرة، فإن الأندية المخصصة للنساء لا تزال محدودة، لتبقى المعوقات المختلفة حجر عثرة أمام كثير من النساء، اللواتي يجدن أنفسهن مضطرات للتخلي عن فكرة ممارسة الرياضة، رغم إدراكهن فوائدها الصحية والنفسية، ليظل الوصول إليها بالنسبة للكثيرات حلماً يصعب تحقيقه.

مشاركة قصص النجاح والتجارب الملهمة تساعد كثيراً في تحفيز النساء على الانخراط في هذه الأنشطة، والأهم هو التركيز على أن الرياضة ليست هدفاً مؤقتاً، بل عادة يومية تساهم في بناء حياة صحية ومتوازنة على المدى الطويل

روتين حياة

لا تقتصر أهمية الرياضة على تحسين المظهر الخارجي أو إنقاص الوزن فحسب، بل تمتد آثارها إلى الصحة الجسدية والعقلية، بحسب الكوتش ، خديجة باشماخ.

وتوضح باشماخ، في حديث لـ”نسوان فويس”، أن ممارسة الرياضة تسهم في تقوية العضلات والعظام، وتحسين صحة القلب، وزيادة النشاط والطاقة، كما تلعب دوراً مهماً في التخفيف من التوتر والقلق، وتحسين المزاج، وتعزيز الثقة بالنفس، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على جودة الحياة بشكل عام.

مضيفةً : ” الوعي بأهمية الرياضة بين النساء أصبح أكبر مما كان عليه في السابق، إذ بات الإقبال على ممارسة الأنشطة الرياضية في تزايد ملحوظ، وأصبحت كثير من النساء يدركن أن الرياضة أسلوب حياة، وليست مجرد وسيلة لخسارة الوزن أو تحسين القوام”.

ومع ذلك، تشير إلى أن تحديات عدة ما تزال تحد من استمرارية النساء في ممارسة الرياضة، أبرزها ضيق الوقت، وكثرة الالتزامات اليومية، وصعوبة المواظبة على التمارين.

وترى باشماخ أن نشر ثقافة ممارسة الرياضة بين النساء يحتاج إلى تكاتف جهود الأسرة والمجتمع والمؤسسات المختلفة، من خلال التوعية المستمرة بفوائد الرياضة الصحية والنفسية، وتنظيم فعاليات وأنشطة رياضية مخصصة للنساء، وتشجيعهن على البدء بخطوات بسيطة تتناسب مع ظروفهن وإمكاناتهن.

وتتابع: “كما أن مشاركة قصص النجاح والتجارب الملهمة تساعد كثيراً في تحفيز النساء على الانخراط في هذه الأنشطة، والأهم هو التركيز على أن الرياضة ليست هدفاً مؤقتاً، بل عادة يومية تساهم في بناء حياة صحية ومتوازنة على المدى الطويل”.

الرياضة ليست ترفاً، بل ضرورة ملحة، واستثمار في أغلى ما تملكين، وهي صحتك. مهما كانت مشاغلك، اجعلي لنفسك نصيباً من الحركة، سواء بالانضمام إلى الصالات الرياضية المتاحة أو بممارسة التمارين المنزلية. ابدئي اليوم، لأن جسدك يستحق أن يكون قوياً، وعقلك يستحق أن يكون صافياً

ملخص فيديو قصير للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM

العادات تعيق المشاركة

تكشف نتائج استطلاع للرأي أجراه يمن إنفورميشن سنتر عام 2024 حول مشاركة المرأة في الرياضة في اليمن، أن العادات والتقاليد المجتمعية لا تزال تمثل العائق الأكبر أمام انخراط النساء في الأنشطة الرياضية؛ إذ رأى 51.9% من المشاركين أن البيئة الاجتماعية المحافظة تشكل التحدي الأبرز، إلى جانب أسباب أخرى، منها نقص المرافق الرياضية المناسبة، وضعف الدعم المالي، وغياب البرامج الرياضية المخصصة للنساء، إضافة إلى محدودية الوعي المجتمعي بأهمية ممارسة المرأة للرياضة.

ورغم هذه التحديات، يرى مدرب بناء الأجسام واللياقة البدنية، علي العنسي في حديث ل”نسوان فويس” أن المشهد يشهد تحولاً إيجابياً يستحق التوقف عنده. ففي مقال بعنوان “المرأة اليمنية والرياضة: ثورة صحية في زمن الجيم”، وصف الإقبال المتزايد للنساء على ارتياد الصالات الرياضية بأنه “تحول لافت ومبهج”، يعكس تغيراً في النظرة إلى الرياضة.

ويؤكد العنسي أن هذا التوجه لا يمثل مجرد “موضة” عابرة، بل يعبر عن وعي مجتمعي جديد يضع الصحة البدنية والنفسية في مقدمة الأولويات، ويعيد صياغة مفهوم العناية بالذات، رغم الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي تعيشها البلاد.

ويضيف أن المرأة اليمنية أصبحت تدرك اليوم أن فوائد الرياضة تتجاوز كونها وسيلة لشد الجسم أو نحت القوام أو علاج السمنة، لتصبح أسلوباً متكاملاً للحفاظ على الصحة الجسدية والنفسية.

وبالفعل، تعيش المرأة اليمنية الضغوط اليومية التي تتراكم مع الأيام لتصبح عبئاً على صحتها النفسية، ما يجعل ممارسة الرياضة أكثر من كونه متنفس لتفريغ الطاقات السلبية لتصبح خط الدفاع الأول ضد الكثير من الأمراض.

ويخاطب العنسي النساء قائلاً: “الرياضة ليست ترفاً، بل ضرورة ملحة، واستثمار في أغلى ما تملكين، وهي صحتك. مهما كانت مشاغلك، اجعلي لنفسك نصيباً من الحركة، سواء بالانضمام إلى الصالات الرياضية المتاحة أو بممارسة التمارين المنزلية. ابدئي اليوم، لأن جسدك يستحق أن يكون قوياً، وعقلك يستحق أن يكون صافياً”.

وتلتقي هذه الدعوة مع نصيحة الكوتش خديجة باشماخ، التي تؤكد أن على كل امرأة أن تجعل الرياضة جزءاً من روتينها اليومي، حتى وإن بدأت بوقت قصير أو نشاط بسيط، مشيرة إلى أن الاستمرارية أهم من شدة التمارين، وأن كل خطوة نحو الحركة تمثل استثماراً حقيقياً في الصحة والسعادة وجودة الحياة.

ويتقاطع هذا الطرح مع تجربة التربوية سعاد العريقي، التي تؤكد أنها، رغم كل التحديات والمعوقات، تحرص على اقتطاع جزء من وقتها لممارسة التمارين المنزلية، وتنتزع من زحام المسؤوليات اليومية لحظات تمنحها شيئاً من الراحة، على أمل أن تتاح لها مستقبلاً فرصة الالتحاق بأحد الأندية الرياضية.

لم تعد الرياضة مجرد تمارين، بل رسالة لتمكين المرأة اليمنية من استعادة صحتها وثقتها بنفسها؛ وبناء جسم سليم يساعدها في القيام بواجباتها ومسؤولياتها، وأن تكون عنصرًا منتجًا وفاعلاً في المجتمع.

 مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM

الإعلام شريك في التغيير

ترى صفاء الدبعي، عضو مجلس إدارة الاتحاد اليمني للإعلام الرياضي، وعضو اللجنة الإعلامية في الاتحاد اليمني لكرة القدم، أن رياضة المرأة في اليمن شهدت تراجعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، مرجعة ذلك إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، يأتي في مقدمتها عدم تقبل المجتمع المحافظ لممارسة المرأة للرياضة، سواء كانت فردية أو جماعية، إلى جانب غياب الأماكن المخصصة لذلك، وعزوف كثير من الفتيات عن المشاركة في ظل غياب الحوافز داخل المدارس والجامعات والأندية، فضلاً عن ضعف اهتمام الدولة بالرياضة بشكل عام، والتعامل معها بوصفها نوعاً من الترف، لا حاجة أساسية من حاجات المجتمع.

وتؤكد الدبعي في حديث ل”نسوان فويس” أن الثقافة والوعي بأهمية ممارسة المرأة للرياضة مهم جداً، وهنا يبرز دور وسائل الإعلام في نشر الثقافة الرياضية في المجتمع، مشيرة إلى ضعف التغطية الإعلامية للرياضة النسائية.

ويُعزا جانب من هذا التراجع إلى قلة وجود الإعلاميات الرياضية، مما ينعكس سلباً في محدودية الاهتمام الإعلامي بأهمية الممارسة الرياضية للنساء.

ويتفق الإعلامي الرياضي، ونائب رئيس الاتحاد اليمني للإعلام الرياضي سابقاً، منصور الجرادي، مع هذا الطرح، مؤكداً أن الرياضة ليست مجرد منافسات أو بطولات، بل أسلوب حياة يحافظ على الصحة، ويعزز التوازن النفسي والجسدي، ويشكل جزءاً أساسياً من البناء النفسي للإنسان، الأمر الذي يجعل من الضروري تشجيع إنشاء الأندية الرياضية المخصصة للنساء.

ويشير الجرادي، في حديثه لـ”نسوان فويس”، إلى أن السنوات الأخيرة شهدت ظهور عدد من الأندية المتخصصة التي تهتم بصحة المرأة ولياقتها، وتمنحها فرصة للحفاظ على صحتها الجسدية والنفسية، والخروج من دائرة الانغلاق داخل المنزل.

وحول أسباب ندرة وجود الصحفيات المتخصصات في المجال الرياضي، يوضح الجرادي أن ذلك يعود إلى تراجع النشاط الرياضي في اليمن لعدة سنوات، إضافة إلى طبيعة الوسط الرياضي الذي يغلب عليه الحضور الذكوري، والاختلاط الكثيف بالجماهير، وهي عوامل أسهمت في الحد من مشاركة المرأة في الإعلام الرياضي، الذي يتمتع بخصوصية تختلف عن بقية التخصصات الإعلامية.

ويرجح الجرادي أن يشهد هذا المجال انتعاشاً في المستقبل، إذا ما توسعت الرياضة النسائية وانتشرت الأندية المخصصة للفتيات، مستشهداً بقصص نجاح لعدد من اليمنيات اللواتي استطعن إثبات حضورهن في المجال الرياضي، وتحقيق إنجازات لافتة.

كما يشدد على أهمية أن تبادر الهيئات والمؤسسات الإعلامية الرياضية إلى تشجيع الفتيات على التخصص في الإعلام الرياضي، وأن تتعامل مع هذا الملف باهتمام خاص، من خلال برامج تدريب وتأهيل مكثفة، تسهم في بناء حاضنة حقيقية للإعلاميات الرياضيات في اليمن.

وفي السياق ذاته، تؤكد صفاء الدبعي أن النهوض بالرياضة النسائية يبدأ بتوفير البنية التحتية المناسبة، من خلال إنشاء صالات رياضية مخصصة للفتيات، ودعم الأنشطة الرياضية في المدارس، إلى جانب قيام وسائل الإعلام بدور أكثر فاعلية في إبراز أهمية ممارسة المرأة للرياضة، بوصفها ضرورة صحية ومجتمعية، وليست ترفاً يمكن الاستغناء عنه.

وبين تجربة سعاد العريقي التي تكافح لتقتنص دقائق قليلة لممارسة الرياضة داخل منزلها، وآراء المختصين، ونتائج الدراسات، تتضح حقيقة واحدة؛ أن الرياضة بالنسبة للمرأة اليمنية لم تعد مجرد وسيلة لتحسين اللياقة أو المظهر، بل أصبحت حاجة صحية ونفسية ومجتمعية تتطلب تضافر جهود الأسرة، والمؤسسات، والإعلام، وصناع القرار، حتى تتحول من حلم يصطدم بالعوائق إلى حق متاح لكل امرأة تبحث عن حياة أكثر صحة وتوازناً.

 

مقالات أخرى