من قلب الحرب.. نساء لحج يصنعن اقتصاد التعافي

شارك المقال

أنسام عبدالله – نسوان فويس 

بينما كانت رياح الحرب العاتية تعصف بكل ما هو جميل في محافظة لحج، مخلفةً إرثاً ثقيلاً من الفقر والبطالة وانهيار المؤسسات، لم تقف المرأة اللحجية في موقع الضحية، ولم تنتظر من يمد لها يد العون. اختارت أن تخوض معركتها في ميدان الاقتصاد، لتحوّل “لحج الخضراء” من أرض زراعية أثقلها الإهمال إلى حاضنة لمشاريع نسوية رائدة، أخذت تنافس الرجال وتكسر تدريجياً احتكارهم التاريخي لقطاعات المال والأعمال.

لقد قلنا للمجتمع إننا هنا لنرفع جودة المخرجات، وبالفعل، أثبتت تجربتنا أن استحداث البرامج التطبيقية يعزز دافعية التعلم ويرفع مستوى التحصيل بشكل مذهل، حيث وصل عدد الطلاب كبداية إلى ما يقارب المائتين طالب وطالبة

استثمار يصنع المستقبل

في قلب مديرية تبن، وتحديداً في منطقة صبر – الوهط، تبرز تجربة تعليمية تتجاوز كونها مجرد مؤسسة تربوية، لتصبح نموذجاً لنجاح الاستثمار النسوي في أحد أكثر القطاعات ارتباطاً ببناء المجتمع. 

هنا تقف مدرسة “وطن” الأهلية شاهداً على تحوّل لافت، كاسرةً الصورة النمطية التي ظلت لعقود تحصر ملكية وإدارة المدارس الأهلية في أيدي الرجال.

وراء هذا المشروع تقف سيدتا الأعمال الدكتورة ، نجوين محمد شيخ ، والدكتورة مها عبادي، اللتان قررتا دخول هذا المجال بثقة، ليس بعقلية المستثمر الباحث عن الربح فقط، وإنما برؤية تربوية تستند إلى خبرة القيادة وإحساس الأم بمسؤوليتها تجاه الأجيال القادمة.

وعند التجول في أروقة المدرسة، تبدو ملامح هذه الرؤية واضحة في تفاصيل المكان وآلية العمل. تقول الدكتورة رحيمة المنصب، مديرة المدرسة، وهي تستعرض الكادر الأكاديمي ل”نسوان فويس” :”سألنا أنفسنا في البداية: ماذا يحتاج طالبنا في ظل هذه الأزمات؟ والجواب كان بناء مهارات حديثة، لذا، لم نعتمد على كادر تعليمي عادي، بل استقطبنا كادراً أكاديمياً متخصصاً من حملة الدكتوراه والماجستير والبكالوريوس في تخصصات دقيقة كالفيزياء واللغة الإنجليزية والحاسوب والعلوم”.

​تتابع حديثها بحماس : “البرامج العلمية المستحدثة في مدرسة وطن، خاصة في تدريس اللغة العربية والحاسوب، لم تكن ترفاً، بل ضرورة لرفع كفاءة الطالب، لقد قلنا للمجتمع إننا هنا لنرفع جودة المخرجات، وبالفعل، أثبتت تجربتنا أن استحداث البرامج التطبيقية يعزز دافعية التعلم ويرفع مستوى التحصيل بشكل مذهل، حيث وصل عدد الطلاب كبداية إلى ما يقارب المائتين طالب وطالبة”.

نهضة تتجاوز التعليم

لم يكن نجاح مدرسة وطن حالة استثنائية، بل يأتي ضمن حراك اقتصادي نسوي متصاعد تشهده محافظة لحج خلال السنوات الأخيرة.

فبحسب التقارير الدورية الصادرة عن مكتب الصناعة والتجارة بمحافظة لحج، شهدت الأنشطة التجارية المملوكة للنساء نمواً لافتاً؛ إذ ارتفع عدد النساء المقيدات رسمياً في السجل التجاري من أربع سيدات فقط عام 2023 إلى 17 سيدة مع مطلع عام 2025.

ولم يقتصر هذا النمو على زيادة الأعداد، بل امتد إلى طبيعة الاستثمارات نفسها، بعدما اقتحمت المرأة اللحجية قطاعات ظلت لعقود حكراً على الرجال، مثل المقاولات العامة، والاستشارات الهندسية، والخدمات اللوجستية، والعيادات والمراكز الصحية.

ويعكس هذا التحوّل انتقال المرأة في لحج من إدارة مشاريع صغيرة ذات طابع إعاشي إلى قيادة مشاريع استثمارية منظمة وأكثر تأثيراً، بما يعزز حضورها كشريك رئيسي في إعادة بناء الاقتصاد المحلي، ويؤكد أن مرحلة التعافي بعد الحرب لن تكون صناعة الرجال وحدهم، بل ستكون المرأة إحدى أهم ركائزها.

الجمال يصنع الفرص

في منطقة صبر، تبرز قصة نجاح أخرى صنعتها الإرادة والعمل الذاتي. إذ تدير كفى يحيى مشروعها الخاص، صالون “كفى بيوتي”، الذي لم يعد مجرد مركز للتجميل، بل تحول إلى مساحة لتمكين النساء وفتح أبواب الرزق أمامهن.

تقول كفى، التي أسست مشروعها بجهودها الشخصية وبالاستفادة من قروض ميسرة ل”نسوان فويس” :”المحل مستأجر، وكل ما فيه من أحدث أجهزة تجهيز العرائس، وفرته بجهدي الخاص ومن خلال القروض. لكنني لم أرد أن يقتصر النجاح عليّ وحدي”.

وتضيف :”اليوم أصبح الصالون منصة لدعم نساء المنطقة؛ فالفتيات اللاتي يصنعن البخور والعطور في منازلهن يضعن منتجاتهن لديّ لأتولى تسويقها، كما تجد المنقشات في الصالون مساحة للعمل والوصول إلى الزبائن”.

ورغم ما حققته من نجاح، تؤكد كفى أن المشروع لا يزال بحاجة إلى الدعم، قائلة:”أتمنى أن أحظى بدعم المنظمات العاملة في مجال التنمية والتمكين الاقتصادي، حتى أتمكن من تطوير المشروع وتوسيع أثره”.

ولا يتوقف طموحها عند حدود صالون تجميل، بل يتجاوز ذلك إلى مشروع مجتمعي أكبر، إذ تقول:

“أحلم بإنشاء مركز متكامل للتجميل والتدريب، تكون له فروع في مختلف المناطق، ليصبح مظلة تدعم الفتيات والنساء العاملات، وخاصة الأميات، وتمكنهن من اكتساب مهنة توفر لهن مصدر دخل كريم يساعدهن على إعالة أسرهن باستقلالية وكرامة”.

الكثير من المعاملات لا تُنجز في لحج، بل تتطلب مراجعة الفروع الرئيسية للوزارة في عدن، وهذا يعني تكاليف سفر ومواصلات ومصاريف إضافية تفوق قدرة كثير من النساء، لذلك تضطر كثيرات إلى البقاء والعمل من منازلهن

عقبات أمام الاستثمار

ورغم قصص النجاح التي تصنعها رائدات الأعمال في لحج، فإن الطريق إلى الاستثمار لا يزال مليئاً بالعقبات؛ فخلف كل مشروع ناجح، تقف تحديات إدارية ومالية تثقل كاهل النساء، وتحدّ من قدرتهن على الانتقال من العمل المنزلي إلى النشاط الاقتصادي المنظم.

في مشغلها الصغير للخياطة، تحدثت نور سيد ، عن أبرز هذه التحديات، قائلة:”سألنا كثيراً من الفتيات لماذا لا يؤسسن مشاريع رسمية، وكانت الإجابة تتكرر دائماً: ارتفاع تكاليف استخراج استمارة مزاولة المهنة والسجل التجاري، إلى جانب تعقيد الإجراءات”.

وتضيف ل”نسوان فويس”:”الكثير من المعاملات لا تُنجز في لحج، بل تتطلب مراجعة الفروع الرئيسية للوزارة في عدن، وهذا يعني تكاليف سفر ومواصلات ومصاريف إضافية تفوق قدرة كثير من النساء، لذلك تضطر كثيرات إلى البقاء والعمل من منازلهن”.

وأفرز هذا الواقع، بحسب نور، قطاعاً اقتصادياً غير رسمي يضم مئات النساء اللواتي يعملن في الخياطة، وصناعة البخور والعطور، وإعداد الوجبات المنزلية، وتجهيز حفلات الأعراس، وتلبية طلبيات القاعات في محافظتي عدن ولحج، إلا أن معظم هذه المشاريع تظل خارج المنظومة الرسمية، بسبب تعقيد الإجراءات، وارتفاع تكاليف الترخيص، وضعف البنية التحتية، وفي مقدمتها الكهرباء والطرق.

دعم بإمكانات محدودة

ورغم محدودية الإمكانات، تحاول المؤسسات الرسمية المعنية بشؤون المرأة في لحج مواصلة دورها في دعم التمكين الاقتصادي، معتمدةً في كثير من الأحيان على الشراكات والجهود الذاتية، في ظل غياب أي تمويل حكومي.

تقول عايدة عاشور، رئيسة اللجنة الوطنية للمرأة بمحافظة لحج:

“في اللجنة الوطنية للمرأة، قمنا بإعداد السياسات وتنفيد برامج بالشراكة مع منظمات دولية ومحلية لتمكين المرأة في لحج. وقعنا مذكرات تفاهم مع اتحاد نساء اليمن ومكتب محو الأمية، لكننا نعاني من غياب الموازنة تماماً، لا من الوزارة ولا من المحافظة. نحن نعمل بجهود ذاتية محضة”.

وتؤكد عاشور في حديثها ل”نسوان فويس” أن المرأة اللحجية استطاعت، رغم شح الإمكانات، أن تثبت حضورها في مختلف القطاعات الاقتصادية، مضيفة:”رائدات الأعمال أثبتن تواجدهن رغم الإمكانيات الشحيحة. لقد أبدعت المرأة اللحجية حتى في الجانب الزراعي وأصبحت تصدر منتجاتها” وتتابع “نتمنى فعلاً أن نرى دوراً حقيقياً للقطاع الخاص في دعم هذه المشاريع، بدلاً من الاعتماد الكلي على الورش والدورات التي توفرها المنظمات”.

من جانبها، تشير الناشطة رانيا محمد، من مديرية تبن، إلى أن المحافظة شهدت خلال الفترة الأخيرة حراكاً ملحوظاً من قبل عدد من المنظمات والمؤسسات التنموية، تمثل في تنفيذ مبادرات ومشاريع استهدفت تعزيز التمكين الاقتصادي للنساء.

وتوضح ل “نسوان فويس” أن من أبرز هذه المبادرات مشروع تمكين 60 امرأة ريفية في قرية “عبر لسلوم” بتمويل من مؤسسة النقيب للتنمية والأعمال الإنسانية، إلى جانب بازار المنتجات الحرفية الذي نظمه اتحاد نساء اليمن، فضلاً عن المساعدات الإنسانية التي تقدمها مؤسسة مودة للأسر الأشد احتياجاً.

وترى رانيا أن هذه المبادرات، على أهميتها، تسهم في التخفيف من حدة الأوضاع الاقتصادية، لكنها لا تمثل بديلاً عن دور الدولة، مؤكدة أن النهوض الحقيقي بريادة الأعمال النسوية يتطلب سياسات حكومية داعمة، وتوفير التمويل، وتحسين بيئة الاستثمار، بما يضمن استدامة هذه المشاريع وتحولها إلى رافعة حقيقية للتنمية المحلية.

مفاتيح التمكين الاقتصادي

وترى سيدة الأعمال، نجاة أسعد ، أن ما حققته المرأة اللحجية حتى اليوم يؤكد قدرتها على قيادة مشاريع ناجحة، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن حاجة ملحة لمعالجة جملة من التحديات التي لا تزال تعيق توسع هذه التجارب. وتؤكد في حديثها ل “نسوان فويس” أن البداية يجب أن تكون بتبسيط إجراءات الترخيص، عبر إنشاء نافذة موحدة في محافظة لحج تتولى إصدار السجلات التجارية وتراخيص مزاولة المهنة برسوم رمزية، بما يشجع مئات النساء العاملات في القطاع غير الرسمي على الانتقال إلى السوق النظامية.​

وتلفت إلى أن التمويل لا يزال العقبة الأكبر أمام كثير من النساء، داعية إلى إنشاء صناديق إقراض محلية دوارة، دون فوائد، تستهدف المشاريع الإنتاجية الصغيرة، خصوصاً في مجالات الخياطة، والصناعات الغذائية، والتعليم الأهلي، بما يضمن استدامة هذه المشاريع وقدرتها على التوسع.

كما ترى أن أزمة الكهرباء تفرض نفسها كواحدة من أكبر معوقات الاستثمار النسوي، الأمر الذي يجعل توفير منظومات الطاقة الشمسية للمشاغل، والمدارس الأهلية، ومراكز التجميل، ضرورة أكثر منه خياراً، لضمان استمرار النشاط الاقتصادي بعيداً عن الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي.

وتدعو أسعد القطاع الخاص إلى القيام بدور أكبر في دعم رائدات الأعمال، من خلال تخصيص جزء من احتياجات الشركات والمصانع من الخدمات والقرطاسية والهدايا والوجبات لصالح المشاريع النسوية المحلية، باعتبار ذلك جزءاً من مسؤوليتها المجتمعية، إلى جانب إنشاء حاضنات أعمال في المديريات الريفية تتولى تدريب النساء وتسويق منتجاتهن وربطها بالأسواق داخل المحافظة وخارجها.

لم تعد المرأة اللحجية مجرد متضررة من الحرب، بل أصبحت شريكاً رئيسياً في إعادة بناء الاقتصاد المحلي وصناعة التعافي

التعافي بأيدي النساء

تكشف رحلة نساء لحج، من مؤسسات مدرسة “وطن”، إلى كفى يحيى في صالونها، ونور سيد في مشغلها، أن المرأة لم تعد مجرد متضررة من الحرب، بل أصبحت واحدة من أهم صناع التعافي الاقتصادي والاجتماعي في المحافظة. فوسط الانهيار الاقتصادي، وشح التمويل، وتعقيد الإجراءات، وضعف الخدمات، استطاعت رائدات الأعمال أن يصنعن نماذج نجاح حقيقية، وأن يفتحن أبواب رزق لعشرات الأسر.

 

مقالات أخرى