​مائدة الموت البطيء: رحلة مياه الصرف الصحي من قنوات التصريف إلى حقول ميتم ويريم..

شارك المقال

بشرى الغيلي _ نسوان فويس

يكشف هذا التقرير المعمق التقاعس والإهمال  الرسمي عن معالجة مياه الصرف الصحي التي تستخدم في ري حقول مديريتي (ميتم ويريم) في محافظة إب، ما تسبب بتشبع الخضروات الورقية بمعادن مسرطنة، وبالتالي تفشي الأورام السرطانية، وانتشار أمراض الفشل الكلوي بين السكان.. ليتحول الغذاء اليومي إلى أداة للموت البطيء..” .

​لسنوات كانت أمل النوعة (45 عاماً) تعود من الأسواق محملة بالخضروات الورقية الطازجة القادمة من مزارع ميتم ويريم. كانت أمل تغسلها بعناية فائقة، وتعد منها أطباقاً يومية لأسرتها، معتقدة أنها حريصة على إطعام وتغذية أسرتها بكل ما هو طازج وصحي، وبكل ما من شأنه تعزيز صحتهم وعافيتهم، لكنها لم تكن تدرك أن تلك الأوراق الخضراء ليست سوى إسفنجة صامتة، تشربت سموماً ومعادن ثقيلة من مياه الصرف الصحي التي تُروى بها تلك الأراضي الزراعية.

​اكتشفت أمل هذه الأمر حين داهمتها آلام مبرحة، انتهت بتشخيص صادم : (سرطان في الجهاز الهضمي). تحول خط سير أمل اليومي من السوق، إلى مركز الأمل لمعالجة الأورام التابع للمؤسسة الوطنية لمكافحة السرطان. هناك تضاعفت صدمتها؛ حين شاهدت أنها لم تكن الضحية الوحيدة لهذا المرض الخبيث ، بل وجدت نفسها وسط طوابير مكتظة: نساء وأطفال توافدوا من تلك المناطق، قدموا بأجساد منهكة تتقاسم ألماً واحداً، وتنتظر قطرات الكيماوي في ظل نقص حاد ومستمر في الأدوية والمحاليل.

​في قاعات الانتظار الباردة، وأثناء تلقي الجرعات التي تستنزف الروح والجسد، لا يدور الحديث بين المرضى حول سوء الحظ، وإنما تتفق همساتهم مع تأكيدات الأطباء المعالجين عند سبب واحد: (تلوث المزروعات بمياه الصرف الصحي). حيث بات تراكم السموم في المحاصيل المروية بمياه المجاري متهماً رئيسياً وحاضراً في كل ملف طبي جديد، مفسراً هذا الارتفاع المقلق في منحنى الإصابات بالأورام.

​ تلخص أمل لـ “نسوان فويس” الكارثة التي يتناولها الناس في المنازل، قائلة: “نحن ندفع ثمن غياب الرقابة من صحتنا وأعمارنا.. تلوث المحاصيل بمياه المجاري هو مشكلة  أصبحت إحدى مسببات الموت البطيء الذي يهدد كل البشر في هذه المناطق التي يرتفع فيها معدل تلوث المزروعات بمياه الصرف الصحي”.

​قصة أمل  هي النتيجة النهائية والمؤلمة لرحلة طويلة تقطعها (الخضروات المسرطنة) بسبب الجهل و الغياب الرقابي. فكيف تعبر هذه الشحنات المسمومة من وديان ميتم ويريم الملوثة إلى موائد المواطنين دون أن يعترضها أحد؟

​جذور الكارثة

الكارثة البيئية ليست وليدة اللحظة، ففي عام 2009 وردت دراسة منشورة في (المجلة الأمريكية للعلوم التطبيقية) تؤكد عدم معالجة التلوث في المنطقة، لتستمر المشكلة في التفاقم، وعام 2019 دقت منظمة (الفاو) ناقوس الخطر محذرة من استمرار الكارثة البيئية، وورد ذلك في تقريرها المنشور بعنوان (عندما تصبح زراعة الخضروات غير آمنة).

​ورغم تقارير منظمة الأغذية وغيرها، ما زالت الكارثة قائمة في ميتم ويريم حتى لحظة كتابة هذا التقرير، كما تثبت الأدلة المرئية خروج المياه من وحدة المعالجة دون أي تنقية فعلية.

​مصدر التلوث

​وثقنا ذلك بصور جوية رقمية دقيقة عبر (Google Earth) توضح مسارات مركز معالجة الصرف الصحي باتجاه ميتم و يريم، لتكشف  مسار هذه المياه الملوثة نحو الأودية والمساحات الخضراء.

إسقاط جوي لخط سير مياة الصرف الصحي في مديرية يريم م. إب

 الري العلني

​أصبحت عملية ري الخضروات في تلك المناطق ممارسة علنية بعلم واطلاع السكان في المنطقة، قامت (نسوان فويس) بأخذ مقاطع فيديو  وصور حية سقي مزارع البطاط في منطقة نعيمة الذهوب، وري مزارع الكشد وخضروات أخرى بمياه المجاري، وتدفقها في مزارع  محيطة.

​وهكذا يتم السقي بشكل علني، وبطرق ملتوية في أحايين أخر عبر استغلال توقيت السقي في ساعات متأخرة من الليل أو في الصباح الباكر بعيداً عن أعين الرقابة.

​بديل اضطراري

​على الضفة الأخرى من وادي ميتم في قرية (المشاعبة) المجاورة لمحطة الصرف الصحي، تأخذ المشكلة البيئية أبعادا معقدةً.

المزارع محمد علي (45 عاماً) يصف حجم المعاناة والمأزق الذي يعيشونه: “نحن ندرك تماماً خطر مياه المجاري، وجميعنا في القرية نعلم  بانتشار سرطانات وأمراض جلدية وبلهارسيا، لكننا مضطرون لذلك، ففي ظل شحة المياه يتم اللجوء لهذه المياه غير الصالحة للري، بسبب غياب  بدائل حقيقية ومتاحة كالآبار أو السدود لتأمين سقاية محاصيلنا”.

​ويعود محمد بذاكرته إلى الجذور البيئية للمشكلة؛ موضحاً أن عيون المياه كانت تتدفق نقية في سائلة وادي ميتم طوال العام في الماضي غير البعيد. إلا أن التوسع العمراني والاحتياج المتزايد أدى إلى حفر آبار ارتوازية أعلى الوادي لسحب المياه العذبة.

​هذا التوسع انعكس سلباً على الأراضي الزراعية التي فقدت أهم مصادر ريها الطبيعي، ولم يتبقَّ أمام المزارعين في مواجهة الجفاف سوى مياه المجاري المتدفقة من المحطة، لتتحول بحكم الأمر الواقع إلى (بديل مجاني) لسقي المزارع في ميتم.

قام مجموعة من الأهالي بفتح أحد مناهل الصرف الصحي لشفط المياه بهدف ري  محاصيلهم، لكن تلك المحاولة أدت إلى سقوط ووفاة خمسة أشخاص دفعة واحدة داخل المنهل على الفور اختناقاً بغازات المجاري السامة 

يحيط التلوث بالمنطقة منذ سنوات لدرجة أن  السكان تعايشوا معه

​الموت اختناقاً

​هذا الواقع الخالي من البدائل  حصد الأرواح بطريقة مؤسفة. يروي محمد تفاصيل فاجعة حقيقية عندما قامت مجموعة من الأهالي بفتح أحد مناهل الصرف الصحي لشفط المياه بهدف ري  محاصيلهم، لكن تلك المحاولة أدت إلى سقوط ووفاة خمسة أشخاص دفعة واحدة داخل المنهل على الفور اختناقاً بغازات المجاري السامة.

يحيط التلوث بالمنطقة منذ سنوات لدرجة أن  السكان تعايشوا معه، إذ يلعب الأطفال  في المنطقة بأماكن تفيض بالأوبئة، وتكتمل  المشكلة البيئية بغياب البنية التحتية الطبية، إذ يتوفر مركز صحي لا يقدم خدمات ترقى لمستوى الاحتياج .

تخريب متعمد

إضافة لتهالك شبكات الصرف الصحي، هناك مزارعين يعمدون تخريبها كما يؤكد لـ “نسوان” المواطن سعيد البحش :”تتعرض الشبكات لاعتداءات ممنهجة يشنها بعض المزارعين على غرف ومناهل الصرف الصحي، بهدف كسرها وتحويل مسار المياه الملوثة لري أراضيهم قبل وصولها إلى محطات المعالجة” يقول البحش.

​ويُرجع البحش العجز عن إيقاف هذا العبث إلى اللامبالاة  للنداءات المتكررة: “رغم محاولات الضبط، إلا أن هذه الإعتداءات ما تزال مستمرة، لأن الجهات المعنية تتعامل بتهاون مع المزارعين المعتدين..”.

​معادن سامة

​ وحدة عبده (40 عاماً) تربوية.تتحدث عن  تعرض طالبتها آية إسماعيل (18 عاماً)، لنوبات ألم معوي حادة وعنيفة شخصها الأطباء التهاب بكتيري حاد ناتج عن طفيليات مستعصية،فيما كشف الطبيب المشرف على حالتها أن استهلاك خضروات مروية بمياه المجاري سبباً رئيسياً لإصابتها، لأن محاولات الغسل وتنظيف الخضروات باستخدام الماء والخل والملح وهم لا يقي تطهير الخضروات كون البكتيريا تستقر في قشرة الخضار الخارجية وتتشبث بأنسجته بقوة.

​والمؤسف لــ(وحدة) أنها بدأت تلاحظ على ابنتها (دعاء) شحوباً مستمراً، وتراجعاً حاداً في بنيتها الجسدية، وضعفاً مقلقاً في التركيز والاستيعاب المدرسي، ما دفعها للتفكير أن الموضوع يتجاوز كونها عدوى بكتيرية إلى أمر أخطر قد طالما تتغذا على خضروات مروية بمياه المجاري .

أثبت التحليل وجود مادة الرصاص في عينات الخضروات التي قامت “نسوان فويس” بعمل فحص مخبري لها.. فقد سجل معدن الزئبق نسباً تتراوح بين 1.43 و 2.54 ملغ/كغ…ووفقا لكتاب (أمراض ناتجة عن الغذاء) للدكتور عبده شحاتة فأن الجسم البشري لا يتخلص من مركبات الزئبق عبر البول أو البراز، بل تتراكم مباشرة في الكبد والكلية والدماغ، لتبدأ الجرعة بإظهار سميتها عند تراكم 25 إلى 40 ملغ/كغ.

​كما تخطى معدن الكادميوم مستوياته الطبيعية المحددة بين 0.02 و 0.2 ملغ/كغ. وتأثيرات هذا المعدن مدمرة ، إذ يحل محل الكالسيوم في العظام متسبباً في هشاشتها وتشوهاتها، ويصل في مراحله المتقدمة إلى إحداث التهاب في نخاع العظام. أما النتريت، فقد أظهر تبايناً حاداً؛ حيث تراوح بين 0.64 و 0.82 ملغ/كغ في عينات ميتم ويريم، وقفز إلى 29.8 ملغ/كغ في عينة العدوى. 

​تلوث معدني 

​قامت معدة التقرير بالنزول الميداني للتأكد من تلوث بعض المحاصيل كــ(الكشد ـ  والجرجير) كعينات تم فحصها  بمختبر السوق المركزي بصنعاء (تقرير رقم: LAB-2026-0430-001) أثبت التحليل وجود مادة الرصاص في عينات الخضروات التي قامت “نسوان فويس” بعمل فحص مخبري لها..

​كما تخطى معدن الكادميوم مستوياته الطبيعية المحددة بين 0.02 و 0.2 ملغ/كغ. وتأثيرات هذا المعدن مدمرة ، إذ يحل محل الكالسيوم في العظام متسبباً في هشاشتها وتشوهاتها، ويصل في مراحله المتقدمة إلى إحداث التهاب في نخاع العظام. أما النتريت، فقد أظهر تبايناً حاداً؛ حيث تراوح بين 0.64 و 0.82 ملغ/كغ في عينات ميتم ويريم، وقفز إلى 29.8 ملغ/كغ في عينة العدوى.

انتقال السموم

وثقت دراسة منشورة عبر مستودع أبحاث “جامعة بابل” انتقال المعادن الثقيلة من المياه الملوثة إلى النبات؛ حيث أثبتت التحاليل تشبع أنسجة الخضروات المروية بمياه المجاري بعنصري الرصاص والكادميوم، وهو ما يؤكد تكرار ظاهرة التسمم بالكادميوم التي أظهرتها تحاليل العينات السابقة.

​من خلال المسح الميداني الذي أجراه الباحث “قيس نُعيم وأخرون” لتقييم جودة الخضروات المعروضة في الأسواق اليمنية خلص إلى وجود تركيزات لمعدني الرصاص والكادميوم( بحسب المسح ماتزال تركيزات منخفضة) في النباتات المزروعة في بيئات الري غير الآمنة إذ يتم تخزن هذه المعادن السامة في أجزائها القابلة للاستهلاك.

​وثيقة فحص مخبري لبعض عينات الخضروات في المنطق

​المسار الوبائي

​النتيجة المخبرية تؤيد ما ذكره بليغ الطويل ـ رئيس فرع المؤسسة الوطنية لمكافحة السرطان(إب) والذي قال فيه : ” الارتفاع  في الإصابات السرطانية المبكرة هو نتيجة  للتدهور البيئي في الحوض المائي والزراعي لميتم ويريم وما جاورهما”.

​ويحذر الطويل من إمتداد الخطر إلى مياه الشرب

ويضيف في حديث لـ”نسوان فويس” : “يتفاقم الخطر بامتصاص الخضروات معادن ثقيلة كالرصاص والكادميوم وبقايا المنظفات الكيميائية التي  تتمركز مباشرة في (الأنسجة النشطة هرمونياً) في جسد المرأة (الثدي والرحم)، مما يعمل كمحفز  لظهور أورام خبيثة عند الفتيات تحديداً” .

​و يتابع : “السموم تعبر نحو المستقبل، إذ تنتقل الملوثات من الأم إلى الجنين عبر المشيمة، وينتج عن هذا العبور خلل جيني مبكر يظهر فور الولادة على شكل تشوهات خلقية، فشل كلوي أو سرطانات دم تهاجم رضعاً لم يكملوا عامهم الأول”

ويؤكد الطويل أن مريضات السرطان اللواتي  يتلقين العلاج الكيميائي يعانين من “انعدام المناعة” وعودتهن إلى بيئة تحاصرها مياه الصرف الصحي، يعرّضهن  للبكتيريا الملوثات بشكل أكبر.

سرطانات النساء

من جهتها تؤكد الدكتورة حنان هايل ـ  مسؤولة قطاع التوعية والتثقيف الصحي في (مركز الحياة) لـ “نسوان ” أن الخطر المحدق بالنساء يُحدث “اضطراباً هرمونياً” . وتوضح أن مياه الصرف الصحي هي ناقل نشط لمزيج قاتل من الكيماويات السامة والمبيدات، يتسلل إلى الغذاء والماء الملوث بمياه المجاري يُربك النظام الهرموني الأنثوي، ويخلق بيئة محفزة لظهور سرطانات الثدي والرحم.

تلوث متعدد

​تلفت الطبيبة هايل الانتباه إلى بُعد آخر يتمثل في “التلوث الهوائي والبيئي” نتيجة بقاء مستنقعات المجاري مكشوفة ما يحولها إلى بؤر لانبعاث الغازات السامة وانتشار البكتيريا وفيروسات الكبد.

كما تؤكد أن الاستنشاق المستمر يرفع من نسب الإصابة بسرطان الرئة والكبد على المدى البعيد.

​وتلخص الأمر قائلة: “التعرض التراكمي لبيئة الصرف الصحي، سواء عبر الغذاء أو الماء، أو الهواء، هو العامل الحاسم الذي يرفع احتمالات إصابة النساء بشبكة من السرطانات”.

​حصاد الأرقام

تكشف الإحصائيات الرسمية للمؤسسة الوطنية لمكافحة السرطان لعام 2025، عن مشهد طبي يئن تحت وطأة أعداد متزايدة.

 

​ولأن النساء والفتيات هن الضحية الأبرز، تبرز إحصائيات مركز الحياة  للكشف المبكر عن سرطان الثدي لتؤكد أنه  خلال عام 2025، استقبل المركز 840 امرأة.. ورغم أن الفحوصات شخصت مئات الحالات كأورام ليفية حميدة (224 حالة) وأكياس (230 حالة)، إلا أنها تمثلت في تأكيد إصابة 60 امرأة بأورام سرطانية خبيثة، إلى جانب 80 حالة أخرى “مشكوك فيها” تحتاج تدخلاً حاسماً  لإنقاذ ضحايا السرطان والوقاية من مسببات المرض الأساسية – وفي مقدمتها قنوات الصرف الصحي المفتوحة  في  مزارع ميتم ويريم.

حصلت(نسوان فويس) على وثائق رسمية  توجه الجهات المختصة  الموضحة في الوثائق لضبط  المخالفين وتتكرر هذه التوجيهات في تواريخ مختلفة  رصدنا البعض منها تمثلت في مسار قانوني يرتكز على وثائق توجيهية من نيابة الاستئناف، لضبط المولدات المستخدمة في الضخ العشوائي، وإغلاق منافذ المياه الملوثة، وإتلاف النباتات المروية بالمجاري. إلا أن التوجيهات والحلول الرسمية على الأرض تبدُ أكبر من مجرد الاحتواء الورقي مع وقف التنفيذ

تقارير مهملة

​في مناطق أخرى قريبة كمديرية بعدان، وتحديداً في قرية (العجابي)، لم يعد اختلاط مياه الصرف الصحي بمصادر الشرب والري مجرد مخاوف، بل تم توثيقه حيث أثبت فحص مخبري تلوث مياه الآبار وشفط مياه الصرف الصحي، لآبار أخرى وضخها مباشرة إليها، كخزانات  لحفظ مياه المجاري لاستخدامها في ري المزروعات.

​وثيقة لفحص مخبري لمياه بئر العجابي

يؤكد التربوي مصلح القُح(54عاما) أن تدفق هذه المياه أدى إلى تفشٍ للإصابات السرطانية بين سكان المنطقة. وقد نزلت لجان رسمية وسحبت عينات من آبار المياه، وأثبتت نتائجها المخبرية وجود نسب تلوث بيئية خطيرة. ورغم ثبوت الخطر علمياً، قوبلت نداءات الاستغاثة بمعالجات لا ترتقي لحجم التلوث، لتبقى تقارير الفحص حبيسة الأدراج.

من خلال المتابعة والبحث لمعدة التقرير حصلت(نسوان فويس) على وثائق رسمية  توجه الجهات المختصة  الموضحة في الوثائق لضبط  المخالفين وتتكرر هذه التوجيهات في تواريخ مختلفة  رصدنا البعض منها تمثلت في مسار قانوني يرتكز على وثائق توجيهية من نيابة الاستئناف، لضبط المولدات المستخدمة في الضخ العشوائي، وإغلاق منافذ المياه الملوثة، وإتلاف النباتات المروية بالمجاري. إلا أن التوجيهات والحلول الرسمية على الأرض تبدُ أكبر من مجرد الاحتواء الورقي مع وقف التنفيذ.

 

المساءلة القانونية

قانونياً تؤكد المحامية وسيلة الشرعبي لـــ(نسوان فويس) أن التشريعات اليمنية تجرم ري المحاصيل بمياه الصرف الصحي بصرامة، وتقول: “بموجب المادة (69) من قانون المياه لسنة 2002، يُعاقب بالحبس مدة تصل إلى سنتين كل من يصرف مخلفات سائلة ملوثة، وتُضاعف العقوبة عند التكرار أو رفض إيقاف المخالفة”.

​وتضيف الشرعبي: “إلى جانب الحبس، تُلزم المادة (3) من قانون حماية البيئة لسنة 1995 المخالف بتحمل تكاليف إزالة التلوث، ودفع تعويضات شاملة عما يلحق بالأشخاص والأموال من أضرار”.

​وتختم  ” أن هذه الانتهاكات تُعد جرائم بيئية وفقاً للمادة (80) من ذات القانون، ويبقى مرتكبوها تحت طائلة المحاسبة القانونية”.

​حلول ترقيعية

​ المدير العام للمؤسسة المحلية للمياه والصرف الصحي، ماجد الشامي تحدّث لـ”نسوان فويس” عن تنفيذ  خطة استجابة طارئة وصيانة لشبكات الصرف الصحي لفك الانسدادات في مناطق حيوية لمنع طفح المجاري.

​يؤكد أن المعالجات الموضعية لا تلغي حقيقة أن المصب النهائي لملايين اللترات من هذه المياه العادمة يتدفق بشكل مفتوح نحو الأودية الزراعية في ميتم ويريم. وبدلاً من معالجة المياه قبل تصريفها، لوحظ  أنها تتحول إلى (مستنقع مزعج) في شوارع المدينة، قبل أن تصل المزارع.

صورتان تظهران سقي المزارع بمياه المجاري من المنطقة 

لا زالت مياه الصرف الصحي تتدفق لري الخضروات  التي تدفع ثمنها أمل النوعة وآلاف النساء والسكان قائمة وتتضخم يوماً بعد آخر. وبينما تقف التحركات الرسمية عند حدود التوجية بلا حزم للتنفيذ، تبقى موائدنا المصدر الذي يقدم الموت البطيء بشكل مستمر.

 

 

مقالات أخرى