رهائن الخوف.. نساء يواجهن الابتزاز بعد الانفصال

شارك المقال

علياء محمد – نسوان

ظنت أن الطلاق هو نهاية لمعاناتها، لكنها لم تتخيل أن أكثر ما سيؤذيها بعد الانفصال ليس الفراق، بل الخوف.

(ف.ع.ل) أم لثلاثة أبناء، وجدت نفسها بعد سنوات من الزواج أمام معركة جديدة مع زوج، حين طلبت الطلاق منه، ساومها بسمعتها وحقوقها، وخيّرها بين التنازل عن النفقة والحضانة أو مواجهة الفضيحة.

في حديث لـ “نسوان فويس” لم تكن ف.ع.ل تتوقع أن يتحول الخلاف الزوجي إلى ابتزاز يستخدم صورها الخاصة، التي التُقطت يوماً داخل مساحة من الثقة، كسلاح للتهديد والإخضاع بعد سنوات من الحياة المشتركة.

قصة (ف.ع.ل) ليست حالة نادرة، بل وجه مؤلم لقصص تتكرر بصمت مع كثير من النساء اللواتي اخترن الطلاق طوقاً للنجاة، لكنهن وجدن أنفسهن في المقابل رهائن للابتزاز والخوف من تشويه صورتهن اجتماعيا.

خلف أبواب المحاكم، وأروقة أقسام الشرطة، وصفحات التواصل الاجتماعي، تتكرر قصص نساء وجدن أنفسهن بعد الطلاق ضحايا للابتزاز، حيث تحوّلت الخلافات الأسرية لدى البعض إلى تهديد مباشر يُجبر النساء المطلقات، أو حتى الراغبات في الطلاق، على التنازل عن حقوقهن الشرعية أو العودة إلى العلاقة خوفاً من الإساءة ونشر صور ومعلومات خاصة لهن.

النظرة الاجتماعية القاسية تجاه المرأة المطلقة في المجتمع اليمني تُعد من أبرز العوامل التي تسهم في استمرار معاناة النساء بعد الطلاق، إذ قد يستغل الطرف الآخر هذه النظرة كوسيلة للضغط والتهديد، بالتزامن مع سهولة الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت الإساءة والتشهير أسرع وأسهل وأقل تكلفة

 

انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM
انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM

دوافع الظاهرة الاجتماعية

لم يعد الطلاق بالنسبة لبعض النساء نهاية لعلاقة زوجية فاشلة، بل بداية لمعركة طويلة من الضغوط النفسية والابتزاز والتهديد، يمارسها أزواج سابقون مستخدمين الصور الخاصة، والمحادثات الشخصية، والسمعة الاجتماعية كسلاح للإيذاء والضغط.

في هذا السياق ترى الأخصائية الاجتماعية، ريهام الحطام، أن ضعف الوعي القانوني والحقوقي لدى بعض النساء يسهم في تصاعد حالات الابتزاز، إضافة إلى ضعف المعرفة بالحقوق والواجبات التي كفلتها الشريعة الإسلامية للمرأة، الأمر الذي يفتح المجال أمام البعض لاستغلال هذا القصور والضغط عليهن.

وتضيف الحطام في حديث لـ “نسوان فويس”: “التفسيرات غير الدقيقة لبعض المفاهيم المتعلقة بالحقوق والواجبات قد تؤدي أحياناً إلى ضياع حقوق المرأة أو تعرضها للأذى”، مشيرة إلى أن الجهل يتحول أحياناً إلى أداة لإصدار أحكام مجحفة لا تستند على أسس دينية أو قانونية صحيحة.

من جانب آخر، تؤكد الحطام أن النظرة الاجتماعية القاسية تجاه المرأة المطلقة في المجتمع اليمني تُعد من أبرز العوامل التي تسهم في استمرار معاناة النساء بعد الطلاق، إذ قد يستغل الطرف الآخر هذه النظرة كوسيلة للضغط والتهديد، بالتزامن مع سهولة الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت الإساءة والتشهير أسرع وأسهل وأقل تكلفة.

ولا تقتصر وسائل الابتزاز على التهديد بالنشر الإلكتروني فقط، بل تمتد أحياناً إلى استخدام الأطفال كورقة ضغط. إذ تحرم النساء من رؤية أطفالهن، أو التهديد بأخذهم بالقوة، أو التحريض ضد الأم بهدف كسرها نفسياً وإجبارها على التنازل عن حقوقها.

تصف ماريا راشد، مديرة إدارة الإعلام باللجنة الوطنية للمرأة، في حديث لـ”نسوان فويس” هذه الظاهرة بأنها غريبة على العادات والتقاليد اليمنية التي يتغنى بها المجتمع، لكنها تُنسى فجأة عندما يتعلق الأمر بانتهاك حقوق النساء.

وتُرجع السبب إلى خلل تربوي يجعل الرجل ينظر إلى المرأة باعتبارها “ملكية” لا شريكة، مما يمنحه شعوراً زائفا بالحق في ممارسة العنف أو الابتزاز عندما تقرر الانفصال.

ثغرات قانونية مستمرة

تؤكد ناشطات حقوقيات تحدثنّ لـ”نسوان فويس” أن كثيراً من النساء يمتنعن عن الإبلاغ عن حالات الابتزاز خوفاً من نظرة المجتمع، أو نتيجة ضعف الثقة بقدرة الجهات المختصة على توفير الحماية لهن، لا سيما في القضايا المرتبطة بالتشهير الإلكتروني.

كما أن بعض الضحايا يفتقرن للوعي القانوني، ولا يدركن أن التهديد والابتزاز يُعدّان جرائم يعاقب عليها القانون.

وتقول مارينا كمال، رئيس قلم جنائي نيابة صيرة ومدافعة عن حقوق الإنسان: “إن عدم تقبل الزوج لفكرة الانفصال يدفعه لاستخدام الصور والفيديوهات كوسيلة تخويف وانتقام، خاصة إذا كانت هناك قضايا منظورة أمام القضاء تتعلق بالنفقة أو الاعتداء”.

وتشير كمال في حديث لـ “نسوان فويس” إلى اصطدام العدالة بغياب قانون متخصص ورادع للجرائم الإلكترونية في اليمن، مؤكدة أن المحاكم وأقسام الشرطة تكتظ بهذه القضايا، إلا أن الكثير منها ينتهي بالصلح القسري أو التنازل نتيجة الضغوط العائلية والاجتماعية.

مؤكدة أهمية التعامل بحذر مع هذا النوع من القضايا، مع مراعاة خصوصية النساء والحفاظ على سمعتهن، والعمل قدر الإمكان على إنهاء الخلافات بصورة ودية، بما يشمل تسليم الأجهزة الإلكترونية ومسح المحتويات الخاصة الموجودة لدى الطرف الآخر، وأخذ تعهد بعدم تكرار هذا الفعل، مع فصل النزاع الشخصي عن المسار القضائي المدني.

وأضافت أنه في حال تعذر الصلح، تُحال القضية إلى المحكمة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، والتي قد تشمل الحبس أو الغرامة ومصادرة الأجهزة المستخدمة، بهدف إنصاف الضحية وتطبيق العقوبات المنصوص عليها في قانون الجرائم والعقوبات، في ظل غياب قانون متخصص بقضايا الابتزاز الإلكتروني.

وترى مارينا أن هناك حاجة ملحّة إلى تشديد العقوبات المتعلقة بجرائم الابتزاز الإلكتروني والأسري، إلى جانب تسريع إجراءات التقاضي وتوفير حماية حقيقية وفعالة للضحايا.

كثير من حالات الابتزاز ترتبط بشعور داخلي بالإهانة أو الرفض، خاصة عندما يعجز الشخص عن تقبل قرار الطرف الآخر بالابتعاد أو إنهاء العلاقة، فيلجأ إلى تعويض هذا الشعور بأساليب مؤذية مثل الابتزاز والتهديد

آثار نفسية قاسية

تفسّر الأخصائية النفسية، مروى صالح سبب الابتزاز بأنه نابع من مشاعر “حب مشوّه” وعدم القدرة على تقبل الرفض أو الانفصال.

وتوضح أثناء حديثها لـ”نسوان فويس” أن كثير من حالات الابتزاز ترتبط بشعور داخلي بالإهانة أو الرفض، خاصة عندما يعجز الشخص عن تقبل قرار الطرف الآخر بالابتعاد أو إنهاء العلاقة، فيلجأ إلى تعويض هذا الشعور بأساليب مؤذية مثل الابتزاز والتهديد.

كما أن بعض الأزواج يعانون من خوف شديد من الهجر والفقد، ما يحوّل هذا الخوف إلى سلوك عدواني ورغبة في فرض السيطرة على الطرف الآخر.

وتشير إلى أن المرأة تصبح أكثر عرضة للضغط في المجتمعات التي تمنح السمعة الاجتماعية أهمية كبيرة، إذ تخشى كثير من النساء الفضيحة أو الوصمة المجتمعية حتى عندما يكنّ ضحايا.

وحول التأثيرات النفسية التي تتعرض لها النساء نتيجة الابتزاز، تقول مروى صالح: “في مجتمع غالباً ما ينحاز للرجل على حساب معاناة المرأة، تعيش المرأة التي يُمارس عليها الابتزاز ضغطاً اجتماعياً مستمراً، وتتعرض لتأثيرات نفسية قاسية بسبب خوفها من الفضيحة، الأمر الذي يدفعها إلى الدخول في حالة اكتئاب تفقد خلالها طاقتها ورغبتها في ممارسة حياتها بشكل طبيعي، وبالتالي الدخول في حالة من العجز والحصار النفسي”.

ومن جانب آخر، أوضحت مروى أن الابتزاز يزعزع ثقة المرأة بنفسها واختياراتها، وقد تصل في بعض الأحيان إلى مرحلة لوم الذات وتحميل نفسها مسؤولية ما حدث، رغم أنها الضحية الأساسية في هذه الجريمة.

وأكدت أن القلق المستمر والتفكير المفرط وتوقع الأسوأ قد يقود الضحية إلى حالة من الصدمة النفسية، تتجلى في الخوف المفاجئ، واسترجاع المواقف المؤلمة، وربما نوبات الهلع.

وشددت صالح على أن الابتزاز الذي يمارسه بعض الأزواج ضد زوجاتهم ليس مجرد مشكلة نفسية أو خلاف شخصي، بل هو سلوك إجرامي يجب التعامل معه بوعي ودعم قانوني ونفسي، مع ضرورة عدم الاستسلام للخوف الناتج عن التهديدات المستمرة التي تُبقي الضحية في حالة دائمة من القلق والتوتر.

حماية وتوعية مجتمعية

في ظل هذا الواقع المؤلم الذي تعيشه كثير من النساء نتيجة الابتزاز الإلكتروني بعد الطلاق، تؤكد ماريا راشد أن للإعلام دوراً محورياً في التوعية بهذه القضايا دون المساس بخصوصية الضحايا، وذلك من خلال عرض الإحصائيات والأرقام المتعلقة بحالات الابتزاز، مع الحرص عند طرح الأمثلة على عدم ذكر الأسماء أو المدن أو أي تفاصيل قد تكشف هوية الضحية بشكل مباشر أو غير مباشر.

وترى أن هناك حاجة إلى إعداد برامج توعوية تستضيف مختصين نفسيين واجتماعيين، بهدف تبني رؤى وأفكار عملية تسهم في نشر الوعي المجتمعي.

مطالبة بضرورة مواجهة هذه الظاهرة التي تتطلب تكثيف الجهود الإعلامية عبر وسائل التواصل الاجتماعي والحملات التوعوية في مختلف وسائل الإعلام التقليدية والحديثة، لإبراز خطورة الابتزاز وآثاره على الضحايا والمجتمع.

وحول النظرة المجتمعية التي قد تزيد من معاناة النساء، ترى راشد أن المرأة نفسها مطالبة بالتخلي عن النظرة السلبية تجاه ذاتها، وأن تنظر لنفسها كإنسان يمتلك الحق الكامل في العيش بكرامة واحترام.

وأشارت إلى أن قبول المرأة بالظلم أو تهميش نفسها ينعكس على الأبناء، ويكرّس مفاهيم خاطئة تجعل الأسرة تنشأ على اعتبار المرأة مصدراً للعار أو الخطأ.

ومن جهتها، تؤمن ريهام الحطام بأن التوعية القانونية والاجتماعية، إلى جانب تقديم الدعم النفسي والمجتمعي للمرأة، تمثل عوامل أساسية للحد من انتشار هذه الظاهرة، موضحة أن غياب آليات واضحة للرصد والتوثيق يجعل من الصعب تحديد الحجم الحقيقي لظاهرة الابتزاز الإلكتروني.

وأكدت أن وجود نظام منهجي لتسجيل هذه الحالات، مع ضمان السرية وحماية الضحايا، سيسهم في تقديم فهم أعمق للمشكلة، ويدعم تطوير استجابات قانونية ومجتمعية أكثر فاعلية.

ويبقى الطلاق نهاية عقد اجتماعي، وليس مبرراً لانتهاك الخصوصية أو ممارسة الانتقام، فيما يظل الوعي المجتمعي الدرع الأول لحماية النساء من تحويل حياتهن إلى رهينة في يد المبتزين.

مقالات أخرى