حين تتحول البهجة الموسميّة إلى عبء نفسي على الأمهات النازحات

شارك المقال

سميرة عبد اللطيف – نسوان فويس

بينما تصدح شوارع مدينة تعز بتكبيرات العيد، وتكتظ أسواقها بملابس الزينة وصخب الطفولة، تعيش مئات الأمهات النازحات في مخيمات ومنازل المدينة الضيقة وجهاً آخر للمناسبة؛ عيداً يمرّ مثقلاً بالقلق، وعجزاً ينهك القلوب أمام متطلبات صغار لا يدركون تعقيدات النزوح وأوجاع الفقر.

أبواب مغلقة بوجه الفرح

قبل سنوات، نزحت “أم عبد الله” من محافظة الحديدة إلى تعز، محملة بآمال النجاة، لكن الأعياد المتعاقبة تحولت بالنسبة لها من مواسم للبهجة إلى محطات دورية للضغط النفسي.

تسترجع أم عبد الله ذكرياتها لـ”نسوان فويس” بنبرة حزينة: “في السابق، كان للعشر الأواخر من رمضان طقوس حية؛ نشتري ملابس الأطفال، ونصنع الجعالة، ونجهز أضحية العيد وسط ضحكات العائلة. اليوم، أصبح العيد هماً ثقيلاً يطرق بابنا، وكلما اقترب موعده يزداد الخوف في قلبي”.

تتوقف الأم عن الحديث، تخفض عينيها خجلاً وهي تتذكر سؤال طفلتها الصغيرة قبل العيد عن فستانها الجديد، وتتابع: “شعرت بعجز تّام يعتصر قلبي. أصعب ما تمر به الأم هو أن ترى الانكسار في عيون أطفالها وهي لا تملك من أمرها شيئاً”.

في صباح أول أيام العيد، آثرت أم عبد الله إغلاق باب غرفتها الضيقة على أطفالها، عازلة إياهم عن بهجة الشارع منعاً للحسرة؛ وتساءل ابنها بحرقة عن سبب بقائهم في المنزل، لتلوذ الأم بالصمت حماية لمشاعرهم.

مقارنات قاسية وأطفال يرفضون الخروج

ليست أم عبد الله وحدها من تعيش هذا الشعور. فمع كل عيد تتكرر الحكايات ذاتها داخل بيوت النازحين في تعز، حيث تحاول أمهات كثيرات إخفاء شعور العجز خلف محاولات بسيطة لصناعة فرحة مؤقتة.

في حي آخر من المدينة، تروي أنسام أحمد، وهي نازحة من الساحل الغربي، صعوبة ما تواجهه الأمهات خلال العيد هو نظرة الأطفال حين يشعرون بأنهم مختلفون عن أقرانهم.

قبل العيد بأيام، أخبرها ابنها ذو الأعوام العشرة بأنه لن يخرج لمعايدة أصدقائه إذا لم يكن لديه “بدلة جديدة”. تقول أنسام: “قضيت الليلة بطولها أبحث عن سبيل لتوفير ملابس له، وأنا بالكاد أؤمن قوت يومنا، حتى سخر الله لنا فاعلي خير بكسوة بسيطة أعادت له الابتسامة”.

ورغم انقشاع أزمة الكسوة مؤقتاً، إلا أن المرارة الداخلية لم تغادر أنسام: “الشعور بالتقصير غريزي داخل الأم حتى وإن كانت الظروف خارجة عن إرادتها”. ولهذا السبب، تتجنب أنسام الخروج بأطفالها إلى الحدائق العامة طوال أيام العيد، هرباً من مقارنات اجتماعية مؤذية، مضيفة بأسى: “في الوقت الذي تفكر فيه الأسر في وجهات التنزه، يكون أكبر همنا هو كيف نخترع أعذاراً لنبقي أطفالنا داخل الجدران كي لا يسمعوا أحاديث الآخرين عن مظاهر احتفالهم”.

ورغم اختلاف القصص، تتكرر التفاصيل ذاتها في بيوت كثيرة داخل مدينة تعز، حيث تعيش مئات الأسر النازحة ظروفًا اقتصادية صعبة تجعل من الأعياد مصدر ضغط نفسي بدلًا من كونها مناسبة للفرح.

أزمة الصمود المعيشي

هذا الواقع المرير للأمهات النازحات تؤكده المؤشرات الميدانية؛ إذ تشير تقارير الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في اليمن إلى أن محافظة تعز تضم آلاف الأسر النازحة التي تعيش تحت خط الفقر المدقع،

فيما تشير تقارير أممية إلى أن الأسر التي تعيلها نساء (الأمهات المنفصلات، الأرامل، والنازحات) تمثل الفئة الأكثر عرضة لانعدام الأمن الغذائي وفقدان سبل العيش بمعدلات تتجاوز 70%، ما يجعل من تكاليف العيد الأساسية كـ “الجعالة” أو كيلو واحد من اللحم ترفاً بعيد المنال، يدفع ببعض الأمهات إلى الاستدانة والوقوع في فخ الديون فقط لحماية أطفالهن من الشعور بالدونية.

الذنب والعزلة

من جهتها تفسر الأخصائية النفسية منال علي لـ”نسوان فويس” بأن الأعياد تحولت إلى محفزات صدمة للأسر النازحة، وتحديداً الأمهات اللواتي يحملن عبء الرعاية المباشرة.

وتوضح منال: “تواجه الأم في هذه المواسم مستويات حادة من مشاعر الذنب والعجز، كونها تقارن قسراً بين حرمان أطفالها وفرحة المحيطين بهم. هذا الضغط المتراكم يدفعهن لتطوير آليات دفاعية مثل الانعزال الاجتماعي وإغلاق الأبواب”.

وتضيف أن الأطفال ليسوا بمعزل عن هذا الأثر؛ فالطفل يترجم حرمان العيد إلى شعور بالاختلاف والإحراج، مما يولد لديه سلوكاً انسحابيًا ورغبة في الانعزال لتجنب الأسئلة الجارحة من أقرانه.

في مدينة أنهكتها سنوات الحصار والنزوح، تتضاءل أمنيات الأمهات لتصبح بحجم الستر؛ فهن لا يبحثن عن رفاهية الاحتفال، بل عن عيد يمرّ بسلام دون أن يترك انكسارًا مزمنًا في عيون صغار يرقبون الفرح من وراء شقوق الجدران.

الصورة متداولة 

مقالات اخرى