بين الصحافة والكتابة… كيف تكتب رغدة جمال حكاية حياة ووطن؟

شارك المقال

حاورتها: دولة الحصباني

رغدة جمال هي صحافية وكاتبة ومدرّبة إعلامية يمنية لها مؤلفات شعرية وقصصية باللغتين العربية والإنجليزية، إلى جانب كونها حالياً مسؤولة التدريب الإعلامي في معهد الجزيرة، ومسؤولة مبادرة “سفراء الجزيرة” وهي مبادرة تدريبية غير ربحية أطلقها معهد الجزيرة للإعلام سنة 2012 ، بهدف تدريب الكوادر الإعلامية الشابة والمواهب الصاعدة عبر ورش عمل مجانية يقيمها إعلاميي شبكة الجزيرة… قادني توقيعها لكتابها الأخير “مذكرات طفلة لم تشهد الحرب” الذي لاقى ترحيباً وإشادة كبيرة في الوسط الإعلامي والثقافي العربي إلى إجراء هذا الحوار معها لـ”نسوان فويس” والتعرف على رغدة – النموذج النسوي اليمني اللامع- عن قرب .

رغدة جمال: كانت الكتابة بالنسبة لي طريقة لفهم العالم، وبمرور الوقت تحولت الكتابة إلى مهنة وموقف

فهم العالم بالكلمات

منذ البدء أرادت رغدة جمال أن تفهم العالم من خلال الكلمات؛ بالنسبة لها، لم تكن الكتابة فقط خيارًا مهنيًا، بقدر ما كانت وسيلة مبكرة لفهم ما يحدث حولها، وطريقة مُثلى لترتيب الفوضى الداخلية بلغة قادرة على الوصول: ” كانت الكتابة بالنسبة لي طريقة لفهم العالم، وبمرور الوقت تحولت الكتابة إلى مهنة وموقف” تقول رغدة.

اليوم رغدة مغروسة في قلب حراك صحافي وثقافي، عبر الكتابة الإبداعية والتدريب الإعلامي معاً، نشاطين يبدوان للوهلة الأولى موزعين في اتجاهين مختلفين، لكنهما في تجربتها متداخلة ومرتبطة وظيفياً وإنسانياً.

تقول: “ الصحافة قرّبتني من الناس والتفاصيل الحقيقية، بينما منحتني الكتابة الأدبية، مساحة أوسع للبوح والسرد الإنساني”.

اختبار الواقع

على عكس كثير من البدايات، كان دخول رغدة إلى الإعلام قرارًا مبكرًا، تعزز لاحقًا بالدراسة والعمل وصقل المهارات، إذ اتجهت لدراسة دبلوم عالٍ في الصحافة، مدفوعة بإحساس داخلي بأن هذا المجال” يشبهها، ويمكن أن يعبر عنها”، خاصةً بعد تجربتها الأولى مع صحيفة اليمن أوبزرفر. لكن هذا المسار الواضح والطبيعي بالنسبة لكاتبة وصحافية في بداية مشوارها المهني اصطدم لاحقًا بسياق أكثر تعقيدًا: الوطن: حِراكه، اعتمالاته، وغليانه صعوداً وهبوطاً، وفي القلب من كل هذا التحولات السياسية التي شهدتها البلاد خلال العقد والنصف الأخير، التي لم تغيّر فقط شكل الواقع، بل أعادت تعريف علاقتها بالمهنة وبمسار تفكيرها: ” أدركت أن الكلمة ليست مجرد عمل، بل موقف أيضًا “.

عند هذه النقطة تحديدًا، تداخل شخصي رغدة باليمني العام، إذ تحولت المهنة تدريجياً من خيار ذاتي حالم، إلى مسؤولية إنسانية وأخلاقية بينما تعج الساحة بأحداث وتحولات كبيرة شحذت مهاراتها قصداً أو دون قصد لكن الأكيد أن حضورها كان صادقاً ومتبنياً القضية الوطنية.

 رغدة بين إعلامين

للنظر عن كثب في تجربة رغدة، وعرضها كحالة نجاح، كان لابد من التعرف على نقطة انطلاقها ومقارنتها بواقع ممارستها الحالية. تقر رغدة بوجود فجوة بين الإعلام النظري الأكاديمي الذي تلقته في مراحلها الأولى في المعاهد والجامعات، وبين الإعلام الذي تمارسه اليوم على أرض الواقع، مع تأكيدها أنهما متصلان ومتكاملان، ويؤسس الأول(النظري) للآخر القائم على التجربة والممارسة.

باعتبار أن التعليم قائمًا على القواعد الأكاديمية الصلبة، أما الثاني فهو إعلام سريع، متحوّل، ومثقل بالتكنولوجيا وبالتطورات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي:” لم يعد كافيًا أن تكون صحفيًا جيدًا، بل مرنًا وقادرًا على المواكبة والتعلّم المستمر”.

“أكبر التحديات كانت أن أستمر دون أن أفقد نفسي وصوتي الخاص، خاصة وسط كل الضغوط التي يمر بها اليمنيين والعرب عموماً، إذ تضطر المرأة أحيانًا لبذل جهد مضاعف حتى يتم التعامل مع عملها بجدية، كما أن الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة تجعل الاستمرار بحد ذاته تحديًا يوميا، ومع ذلك أنا مؤمنة دائمًا أن العمل الحقيقي يفرض نفسه في النهاية”

امرأة في مهنة قاسية

تشير رغدة إلى أن التحدي الأعمق، الذي واجهها كامرأة أولاً وكاتبة وصحافية ثانياً لم يكن مهنيًا فقط : ” أكبر التحديات كانت أن أستمر دون أن أفقد نفسي وصوتي الخاص، خاصة وسط كل الضغوط التي يمر بها اليمنيين والعرب عموماً، إذ تضطر المرأة أحيانًا لبذل جهد مضاعف حتى يتم التعامل مع عملها بجدية، كما أن الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة تجعل الاستمرار بحد ذاته تحديًا يوميا، ومع ذلك أنا مؤمنة دائمًا أن العمل الحقيقي يفرض نفسه في النهاية ”

الكتابة كأرشيف للنجاة

في مسار رغدة الأدبي، تبدو كتبها بمثابة محطات شخصية، لا مجرد نصوص منشورة.

في كتابها الأول” Lost in a Fairy Tale ” كانت رغدة تحاول فهم الذات بلغة حالمة، بينما يأتي “Once Upon a Revolution ” من قلب اللحظة اليمنية، حيث تختلط الصورة بالشعر والذاكرة.

أما كتاب “الخيمة”، فهو عودتها إلى العربية، وإلى أسئلة الهوية والوطن، قبل أن تصل إلى كتابها الأخير ” مذكرات طفلة لم تشهد الحرب” الذي تؤكد أنه الأقرب إلى قلبها، ليس فقط لأنه أكثر حميمية، بل لأنه كُتب بمشاركة ابنتها ميار رسوماً وذكريات.

ربما هنا تكمن المفارقة الأعمق: أن تُصور وتُكتب الحرب من خلال طفلة لم تعشها، لكنها ورثت أثرها. ” الخوف من ضياع الحكايات أو أن يتحول الألم إلى أرقام وأخبار عابرة ” -كما تقول- إنه دافعها للكتابة.

ما لا يُقال ويُقال

في المسافة بين الصحافة والأدب، تجد رغدة مساحة للالتفاف على ما لا يمكن قوله مباشرة.

تقول في هذا الصدد:” قربتني الصحافة من التفاصيل الحقيقية للناس، بينما الأدب منحني القدرة على إعادة تأمل هذه التفاصيل إنسانيًا “، وتتابع: “أحيانًا أشعر أن الصحفي داخلي يجمع الحكايات، بينما الكاتبة تحاول فهمها وإعادة سردها”.

وعن المعركة الدائمة بين ما يقال وما لا يمكن أن يقال تعترف رغدة: “هناك دائمًا أشياء لا نستطيع قولها كاملة سواء بسبب السياسة أو التعب أو ثقل الواقع”.

لكنها تؤمن أن الكتابة الصادقة تجد طريقها، حتى لو جاءت بشكل رمزي أو مؤجل.

الانتماء بالنسبة لي ليس مجرد مكان جغرافي، بل شعور عميق يتكوّن من اللغة والذاكرة والتفاصيل الصغيرة جدًا. أحيانًا نشعر بانتمائنا الحقيقي في طعم وجبة، أو كلمة بلهجة مألوفة، أو ذكرى قديمة

انتماء ذاتي يُورّث

في كتابها الأخير، يلتقط القارئ نبرة انتماء واضحة، رغم أن الراوية طفلة لم تعش في اليمن فعليًا:” الانتماء بالنسبة لي ليس مجرد مكان جغرافي، بل شعور عميق يتكوّن من اللغة والذاكرة والتفاصيل الصغيرة جدًا. أحيانًا نشعر بانتمائنا الحقيقي في طعم وجبة، أو كلمة بلهجة مألوفة، أو ذكرى قديمة ” تفسر رغدة هذا الانتماء.

بهذا المعنى، لا تكتب رغدة اليمن كما يظهر في الأخبار، بل كما يُحسّ في الغياب.

” أردت للطفلة في الكتاب أن تحمل هذا الحنين الفطري للمكان، حتى لو لم تعشه بالكامل. ربما لأن الإنسان أحيانًا يرث الانتماء كما يرث الملامح” توضح رغدة كيف تعمل على تعميد معنى الانتماء في وجدان طفلتيها التي لا تعرف عن اليمن إلا ما تلمسه عبر والدتها.

تطلعات بعد الوصول

حين تُسأل رغدة إن كانت وصلت إلى ما تريد، لا تعطي إجابة حاسمة: ” أنا سعيدة جدًا بالمكان الذي وصلت إليه، وممتنة لكل التجارب التي مررت بها، لكنني أؤمن أيضًا أن الطموح مهم، وأن الإنسان يجب ألا يتوقف عن الحلم والتطور”.

أما حلم رغدة الذي يُلمس بعض أثره، فيبقى مرتبطًا باليمن: أحلم دائمًا بأن أقدّم الاستفادة القصوى لأبناء بلدي، سواء عبر التدريب أو الكتابة أو المبادرات الإعلامية. أشعر أن لدينا طاقات ومواهب كبيرة جدًا تحتاج فقط إلى فرصة ومساحة آمنة للتحرك والوصول “.

لا تيأسن.. تشبثن بأصواتكن

لا تقدم رغدة للصحافيات والكاتبات اليمنيات، وصفة جاهزة، بل خلاصة تجربة:لا تيأسن، ولا تسمحن للظروف أن تكسركن، الطريق ليس سهلًا، قد تواجه المرأة ظلمًا أو إحباطًا أو شعورًا بعدم التقدير، لكن الاستمرار بحد ذاته قوة، تمسكن بأصواتكن، واكتبن بصدق، لأن الكلمة الصادقة هي من تبقى دائمًا .

ربما هذا بالضبط ما تفعله رغدة جمال: تكتب… كي لا تضيع الحكاية.

مقالات اخرى