العنف التوليدي في اليمن.. آلام لا تنتهي بعد الولادة

شارك المقال

نسوان فويس- زهور السعيدي

في إحدى غرف الولادة داخل مستشفى حكومي، وجدت سمر (30 عاماً) نفسها تخوض تجربة ولادتها الأولى في ظروف بعيدة تماماً عمّا كانت تتخيله. داخل غرفة ضيقة تقاسمتها مع أربع نساء أخريات، لم يكن يفصل بين الأسّرة سوى ستائر خفيفة بالكاد توفر الحد الأدنى من الخصوصية، فيما كانت أصوات الألم والصراخ تتداخل في مشهد يعكس واقعاً قاسياً تعيشه كثير من النساء أثناء الولادة.

سمر: استيقظت بعد العملية لأجد أن كل شيء تغير، لم أكن أعرف أن هناك من قرر نيابة عني، وحرمني حق الإنجاب للأبد

فرض المعاناة

تقول سمر في حديث لـ “نسوان فويس”: “كنت أسمع كل الصراخ والتوسلات وزحرات الألم، وشعرت كأنني في مسلخ تعذيبي، مكشوفة تماماً، وافتقد لأبسط مقومات الخصوصية”.

 معاناة سمر لم تتوقف عند ظروف الولادة الصعبة، إذ خضعت خلال العملية لتدخل طبي طارئ انتهى باستئصال رحمها، دون أن تُمنح فرصة كافية لفهم ما يحدث أو المشاركة في اتخاذ هذا القرار الذي غير تماماً مسرى حياتها.

“استيقظت بعد العملية لأجد أن كل شيء تغير، لم أكن أعرف أن هناك من قرر نيابة عني، ولماذا، حرمني من الإنجاب للأبد”، تتحدث سمر مستعيدة تلك اللحظة. 

إجراء كان مجرد تدشين لمعاناة جسدية لاحقة، وتبعات نفسية عميقة حرفت بوصلة علاقاتها بالحياة وبزوجها، ودفعتها إلى مواجهة أسئلة قاسية حول مستقبلها كامرأة وأم.

قصة سمر ليست حالة فردية، بل واحدة من قصص كثيرة تسلط الضوء على ما تواجهه النساء أثناء عمليات المخاض، وتكتشف كيف أن معاناة النساء لا تنتهي بانتهاء الولادة، بل تبدأ بعدها تحديات أكثر قسوة على المستويين النفسي والاجتماعي، في ظل ظروف صحية وإنسانية معقدة تعيشها كثير من النساء داخل المرافق الطبية.

العنف التوليدي

لا تتوقف معاناة بعض النساء عند آلام الولادة الطبيعية، بل تمتد أحياناً إلى مضاعفات جسدية ونفسية قاسية.

تمزقات وجروح في الجهاز التناسلي، ونزيف حاد، والتهابات، وسلس بول أو براز، وظهور الناسور الولادي، فضلاً عن آلام مزمنة في الحوض وتمزقات شديدة.. كلها آثار ترتبط بما يُعرف بالعنف التوليدي الناتج عن ممارسات طبية قاسية أو الإهمال داخل بعض المستشفيات والمراكز الصحية.

في هذا الصدد تتحدث أخصائية النساء والتوليد، نبيلة الأنسي لـ”نسوان فويس”، قائلة:” بعض هذه المضاعفات قد يكون مرتبطاً بطبيعة الولادة نفسها، غير أن جزءاً منها قد ينتج عن التسرع في التدخل الطبي، أو التأخر في تقديم الرعاية اللازمة، أو محدودية الإمكانيات داخل بعض المرافق الصحية، ما يزيد من احتمالية حدوث مضاعفات كان بالإمكان تفاديها في ظروف صحية أفضل”.

تشير تقارير صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن امرأة واحدة في اليمن تفقد حياتها كل ساعتين تقريباً نتيجة مضاعفات مرتبطة بالحمل والولادة، رغم أن كثيراً من هذه الحالات كان يمكن تفاديها بوجود رعاية صحية مناسبة وآمنة

انعدام الرعاية 

وبحسب مبادئ حقوق الإنسان والمواثيق الدولية المتعلقة بحماية النساء، فإن أي ممارسات تنطوي على الإهانة أو الإهمال أو التعنيف أثناء الرعاية الصحية تُعد انتهاكاً لحقوق المرأة في الحصول على رعاية صحية آمنة وكريمة، خصوصاً فيما يتعلق بخدمات الحمل والولادة.

وتشير تقارير صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن امرأة واحدة في اليمن تفقد حياتها كل ساعتين تقريباً نتيجة مضاعفات مرتبطة بالحمل والولادة، رغم أن كثيراً من هذه الحالات كان يمكن تفاديها بوجود رعاية صحية مناسبة وآمنة.

ويضيف التقرير أن سنوات الصراع أسهمت في إضعاف النظام الصحي بشكل كبير، وقلّصت فرص حصول النساء على خدمات صحية آمنة، خصوصاً في المناطق النائية، في ظل النقص الحاد في الكوادر الطبية وضعف الإمكانيات والإمدادات داخل المستشفيات والمراكز الصحية.

بدون تخدير

تروي نجلاء (35 عاماً)، وهي أم لثلاثة أطفال “: “ولدت في مستوصف طبي، وكانت الطبيبة هندية لا أفهم منها شيئاً، كانت تصرخ في وجهي بشكل مستمر”. وتقول إنها خضعت أثناء الولادة لإجراء توسيع وقطع في منطقة العجان (منطقة أنسجة رخوة وحساسة تقع في أسفل الحوض) دون أي تخدير، كما تمت خياطتها بعد الولادة أيضاً من دون تخدير.

وتؤكد في حديثها لـ”نسوان فويس”: “بعد شهرين من الولادة ما زلت غير قادرة على المشي، وأُصبت أيضاً بسلس البول، إضافة إلى أن تلك اللحظات القاسية ظلت تطاردني في أحلامي لفترة طويلة”.

وتضيف أنها لجأت منذ ذلك الوقت إلى استخدام وسائل منع الحمل خوفاً من تكرار تجربة الولادة وما رافقها من ألم ومعاناة.

من جهتها، تقول أم نادر (40 عاماً)، وهي أم لأربعة أبناء، لـ” نسوان فويس” أنها تعرّضت للصفع والصراخ والتوبيخ أثناء الولادة، في تجربة تصفها بالقاسية، مؤكدة أنها لم تجد المعاملة الإنسانية التي كانت تتوقعها داخل المرفق الصحي.

قرارات سريعة 

وتؤكد أخصائية النساء والتوليد، نبيلة الأنسي، أن أقسام الولادة تعمل في كثير من الأحيان ضمن بيئة مزدحمة وتحت ضغط مستمر نتيجة ارتفاع أعداد الحالات والحاجة إلى اتخاذ قرارات طبية سريعة في ظروف حرجة.

وتتابع الآنسي حديثها لـ “نسوان فويس”:” بعض الحالات الطارئة لا تحتمل أن تتأخر، وتخضع للشرح والإجراءات الطبية بصورة تفصيلية أو الحصول على موافقة كاملة من المريضة، خصوصاً عندما تكون حياة الأم أو الجنين مهددة بالخطر”.

وترى الأنسي أن هذا الواقع ينعكس بشكل مباشر على سير العمل داخل أقسام الولادة، ويجعل من الصعب أحيانًا توفير رعاية مثالية لكل حالة على حدة، في ظل تداخل الحالات الطارئة وضيق الوقت ومحدودية الإمكانيات المتاحة داخل بعض المرافق الصحية.

بدورها، تقول أخصائية النساء والتوليد، ليلى أبو طالب: “أستقبل في عيادتي العديد من الحالات التي تصل وهي تعاني من مضاعفات حادة بعد الولادة، مثل النزيف الشديد أو التمزقات المتقدمة، وفي بعض الأحيان تكون المرأة في وضع صحي حرج لحظة وصولها”.

وتضيف في حديث لـ “نسوان فويس”: “هذه المضاعفات لا تعني بالضرورة وجود تعمد للإيذاء، لكنها غالباً ما ترتبط بنقص الخبرة الطبية أو غياب الرعاية الصحية المناسبة أثناء الولادة، خصوصاً في الحالات التي تتم خارج المستشفيات وعلى يد قابلات غير مؤهلات”.

القدسي: تعرض المرأة للصراخ أو الإهانة أو الإهمال خلال لحظة حساسة كهذه يمكن أن يولد مشاعر الخوف وفقدان الأمان، وقد يقود في بعض الحالات إلى أعراض تشبه اضطراب ما بعد الصدمة، مثل القلق المستمر، واسترجاع تفاصيل التجربة بصورة مؤلمة، وتجنب التفكير في الحمل أو الولادة مجدداً

انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM
انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM

ندوب نفسية 

تؤكد سمر القدسي، المختصة في الصحة النفسية، في حديث لـ” نسوان فويس أن العنف التوليدي لا يقتصر أثره على الألم الجسدي فقط، بل يمتد ليترك ندوباً نفسية عميقة قد ترافق المرأة لفترة طويلة بعد الولادة.

وتتابع:” تعرض المرأة للصراخ أو الإهانة أو الإهمال خلال لحظة حساسة كهذه يمكن أن يولد مشاعر الخوف وفقدان الأمان، وقد يقود في بعض الحالات إلى أعراض تشبه اضطراب ما بعد الصدمة، مثل القلق المستمر، واسترجاع تفاصيل التجربة بصورة مؤلمة، وتجنب التفكير في الحمل أو الولادة مجدداً”.

غياب الوعي

تقول المحامية، فاتن الزبيري، إن قضايا العنف أو الإهمال الطبي داخل أقسام الولادة غالباً ما تبقى في نطاق محدود، بسبب ضعف الوعي القانوني لدى كثير من النساء بحقوقهن أثناء تلقي الخدمات الصحية.

وتضيف في حديثها لـ”نسوان فويس”: “في كثير من الحالات ينتهي تعرض النساء للعنف أو الانتهاكات بمجرد مغادرتهن المستشفى، ليس لأن ما حدث قد انتهى فعلياً، بل لأن المرأة تكون قد استُنزفت جسدياً ونفسياً، ولا تملك القدرة على العودة أو فتح مسار قانوني للمطالبة بحقها. وغالباً ما تختار الصمت نتيجة الإرهاق والخوف وضعف الوعي بالإجراءات القانونية، إلى جانب غياب الدعم اللازم لمتابعة الشكوى”.

وتؤكد الزبيري أن هناك حاجة ملحّة لتعزيز الإطار القانوني الذي يحمي النساء أثناء الولادة، إلى جانب رفع مستوى الوعي بحقوق المريضات، وتوفير آليات واضحة وآمنة لتقديم الشكاوى ومحاسبة أي تقصير أو إهمال داخل المرافق الصحية.

مقالات اخرى