إكرام فرج – نسوان فويس
في عزلة “ميخ” بمنطقة الهجرين، حيث تفرض الجغرافيا شروطها القاسية وتنتهي الطرق المعبدة لتبدأ مشقة العيش، ولدت حكاية مختلفة؛ حكاية نورة التي قررت ألا تكون مجرد نسخة مكررة من واقعها المحاط بالجبال والخدمات الغائبة.
نورة سليمان بقشان (25 عاماً)، لم تكن مجرد طالبة عابرة في أروقة جامعة حضرموت، بل كانت “الاستثناء” في بيئة نادراً ما تصل فيها الفتيات إلى عتبات التعليم العالي. اختارت تخصص علوم لتسلك طريقاً طويلاً ومليئاً بالتحديات، في مجتمع لم يكن يرى في تعليم الفتاة أولوية تتجاوز سقف الثانوية.
الحلم الذي مشى على الأقدام
لم يكن الطريق ممهداً أمام نورة، لا مجازاً ولا واقعاً؛ ففي حديثها لـ “نسوان فويس”، تستذكر نورة رحلتها اليومية الشاقة وهي تقطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام، أحياناً لأكثر من نصف ساعة، لتصل إلى نقطة مواصلات بالكاد تكون آمنة.
فبين نيران التكاليف الباهظة ومشقة المسافات المقطوعة، كانت نورة تقاوم وحدها، يدفعها حلم لا تعترف به الجغرافيا. لكن التحدي الأكبر لم يكن في وعورة الطريق، بل في تلك الأصوات التي كانت تلاحقها بكلمات الإحباط: “ستتوقفين في النهاية.. هذا الطريق ليس لكِ”.
تقول نورة بثبات: “تلك الأصوات لم توقفني، بل كانت الوقود الذي دفعني لأثبت لنفسي أولاً أنني لن أكون القاعدة، بل سأكون الاستثناء”.
لم يكن التحاقها ببرنامج معلمات الريف أمراً مخططاً له؛ وحين أشارت عليها معلمتها بالتسجيل، لم تتردد لحظة، دون أن تدرك أن هذه الخطوة العابرة ستعيد رسم مسار حياتها بالكامل.

من مقاعد الدراسة إلى منصة التأثير
لم تكتفِ نورة بالتحصيل العلمي، بل بدأت بصناعة أثرها وهي لا تزال طالبة في السنة الأولى. وفي سنتها الجامعية الثانية، بدأت بتوسيع تجربتها المهنية، وفي السنة الثالثة تحولت إلى معلمة تدير مجموعات تعليمية يومية للأطفال في قريتها. ورغم إرهاق الدراسة ومسؤوليات المنزل، كانت نورة ترى في عيون الأطفال دافعاً للاستمرار من بعد العصر وحتى المساء.
اليوم، تقف نورة كأول خريجة جامعية في منطقتها، محولةً شهادتها إلى رسالة تعيد تشكيل وعي جيل كامل. وجودها اليوم كمعلمة لم يعد مجرد وظيفة، بل انعكاساً لما يمكن أن تصبح عليه فتيات “ميخ” إذا ما امتلكن الإرادة والدعم.

جسر نحو المستقبل
قصة نورة هي الثمرة الأبرز لمشروع معلمات الريف، الذي يصفه الدكتور عبدالله قنيوي، المنسق العام للبرنامج، بأنه استجابة لحاجة ملحة في مديريات دوعن ووادي العين وحريضة، التي عانت لسنوات من نقص الكوادر النسائية المؤهلة.
ويوضح قنيوي أن المشروع، الذي جاء بالشراكة بين جامعة حضرموت ومؤسستي “صلة” و”العون” للتنمية، استهدف تأهيل 153 طالبة في تخصصات نوعية كالحاسوب والعلوم والرياضيات، لكسر احتكار العادات التي كانت تقيد تعليم الفتيات أو تدفعهن نحو الزواج المبكر.
وأوضح أن المشروع ركز على تأهيل الطالبات في تخصصات تربوية نوعية شملت معلم مجال العلوم، ومعلم علوم الحاسوب والرياضيات، ومعلم مجال الاجتماعيات، إلى جانب اللغة العربية، ضمن برنامج بكالوريوس متكامل تنفذه كلية التربية بجامعة حضرموت.
ويضيف قنيوي: “لقد وفرنا بيئة تعليمية حديثة ومختبرات متكاملة، وكان أعضاء هيئة التدريس يتنقلون أسبوعياً من المكلا إلى دوعن لضمان جودة التعليم”. مشيراً إلى أن نجاح المشروع تجلى في استقطاب 40% من الخريجات فوراً للعمل في المدارس الحكومية والخاصة بالريف، ما سدّ فجوة تعليمية كبيرة، وهو ما ساعد نورة على تطبيق دروس العلوم عملياً لأول مرة.
وأشار قنيوي إلى أن المشروع واجه منذ انطلاقه تحديات اجتماعية وثقافية كبيرة، أبرزها ضعف وعي بعض أولياء الأمور بأهمية تعليم الفتاة، وسيطرة العادات والتقاليد التي كانت تقيد مواصلة البنات لدراستهن الجامعية، إضافة إلى ظاهرة الزواج المبكر وبُعد المسافات بين القرى ومركز التعليم، لكنه أكد أن معظم هذه التحديات تم تجاوزها بالتعاون مع الشركاء والجهات الداعمة.
وأضاف أن فكرة تعليم الفتيات في وادي دوعن ليست وليدة اللحظة، بل تعود إلى جهود مجتمعية بدأت قبل نحو عشرين عاماً بدعم من المهندس عبدالله أحمد بقشان، وأسهمت حينها في تشجيع الفتيات على استكمال التعليم ما بعد الثانوية وصولاً إلى تأسيس مشروع “معلمات الريف” بصورته الحالية.

الطريق لم يعد موصداً
تنهي نورة حديثها لـ “نسوان فويس”: “فكل طالبة اليوم تعرف أن الطريق ممكن”. وتقول بثقة: “ولم يتوقف الأثر هنا فقط، بل بفضل هذه الرحلة فُتحت لي أبوابٌ جديدة، منها العمل مع منظمة خيرية، حيث توسعت تجربتي واكتسبت مهاراتٍ جديدة في العمل المجتمعي ليصبح دوري المجتمعي أكثر تأثيراً واتساعاً”.
قصة نورة بقشان ليست مجرد قصة فتاة تحدت الصعاب، بل هي قصة تغيير يبدأ من شخص واحد ليعيد رسم ملامح مجتمع بأكمله. ففي الهجرين اليوم، لم تعد نورة تلك الفتاة التي تمشي نصف ساعة لتصل إلى حلمها، بل أصبحت هي الطريق الذي تعبر عليه أخريات نحو النور.

