بسملة فيصل- نسوان فويس
«كنت متحمسة جدًا، وكانت فرصة جيدة بالنسبة لي لكي اطور مهاراتي، لكن بسبب عدم فهم بعض الزملاء الذكور لحدود ما يجمعنا في إطار هذه الفرص، اضطررت لترك فرصة التدريب».
بهذه الكلمات بدأت طالبة إعلام ـ فضّلت عدم الكشف عن هويتها ـ رواية تجربة تقول إنها دفعتها للتخلي عن فرصة كانت تراها بوابة حقيقية نحو تعزيز مهاراتها الإعلامية.
أكثر ما يدفع الفتيات للتردد في الإبلاغ عن التجاوزات غير المهنية أحياناً، وغير الأخلاقية أحياناً أخرى هو الخوف من الانتقام أو التشهير بالضحية بدلًا من محاسبة المتجاوز، خاصة أن الحماية داخل بعض المؤسسات تكاد تكون ذاتية أكثر من كونها مؤسسية
بيئة غير آمنة
وتضيف الطالبة في حديث لـ “نسوان فويس” أنها لم تتوقع أن تتحول بيئة التدريب، التي يفترض أن تكون مساحة للتعلم واكتساب الخبرة، إلى مصدر قلق وخوف دائم، مضيفة أنها شعرت منذ البداية بأن تقديم شكوى «لن يغيّر شيئًا»، وأن أحدًا «لن يصدقها» في حال تحدثت عمّا واجهته.
ورغم التوسع المتزايد لدخول النساء إلى المجال الإعلامي، ما تزال كثير من المتدربات والمبتدئات يواجهن تحديات تتعلق بغياب الحماية المهنية ووضوح الأنظمة داخل بعض بيئات العمل، وهو ما يدفع بعضهن إلى الصمت أو الانسحاب خوفًا من فقدان الفرص أو التعرض للوصم الاجتماعي.
وتشير الطالبة إلى أن أكثر ما يدفع الفتيات للتردد في الإبلاغ عن التجاوزات غير المهنية، وغير الأخلاقية أحياناً أخرى هو الخوف من الانتقام أو التشهير بالضحية بدلًا من محاسبة المتجاوز، مؤكدة أن الحماية داخل بعض المؤسسات تكاد تكون ذاتية أكثر من كونها مؤسسية.
ظاهرة تحتاج وعي
لا تبدو هذه المخاوف بعيدة عن الواقع العالمي؛ إذ أظهرت دراسة مشتركة صادرة عن منظمة اليونسكو والمركز الدولي للصحفيين أن 73% من الصحفيات المشاركات في الدراسة تعرضن لشكل من أشكال العنف أو المضايقات الإلكترونية أثناء عملهن، فيما قالت نسبة من المشاركات إن ذلك أثر على صحتهن النفسية ودفع بعضهن إلى تجنب التفاعل المهني أو ممارسة الرقابة الذاتية.
وترى المذيعة والإعلامية سمية الصياد أن بيئة العمل الآمنة ليست رفاهية، بل شرط أساسي للاستمرار والإبداع داخل أي مؤسسة إعلامية، قائلة في حديث لـ “نسوان فويس”:” يستحيل أن يكون هناك إبداع في بيئة غير آمنة” .
وأضافت الصياد أنها ترفض الصمت تجاه أي تجاوزات، مؤكدة أهمية وعي الفتيات بحقوقهن ومعرفتهن بالأنظمة الداخلية للمؤسسات قبل الانخراط في العمل.
وقالت إنها تحرص شخصيًا، قبل مباشرة أي عمل، على السؤال عن القوانين واللوائح والكاميرات وآليات التنظيم داخل المؤسسة، معتبرة أن هذا الوعي يخلق حدودًا واضحة ويقلل من فرص حدوث أي تجاوز.
كما شددت على أهمية التزام التواصل المهني الرسمي داخل بيئات العمل، وعدم السماح بتجاوز الحدود المهنية تحت أي مبرر.
الحمادي : هناك قصور تشريعي واضح علاوة على الافتقار لوجود آليات شكاوى سرية ومدونات سلوك داخل بعض المؤسسات، ما يجعل الإبلاغ أكثر صعوبة، خاصة في ظل ثقافة اجتماعية قد تلوم الضحية بدلًا من حماية حقها
قصور الجوانب القانونية
وفي سياق متصل تتحدث المحامية، أمة الله الحمادي، عن الجانب القانوني، موضحةً أن اليمن لا يملك حتى اليوم قانونًا صريحًا ومباشرًا يجرّم التحرش داخل بيئة العمل بشكل واضح، مشيرةً إلى أن النصوص الحالية تعتمد على مواد عامة لا تغطي جميع أشكال التجاوزات، خصوصًا التحرش اللفظي أو الإلكتروني.
وقالت الحمادي في حديث لـ “نسوان فويس”: “هناك قصور تشريعي واضح علاوة على الافتقار لوجود آليات شكاوى سرية ومدونات سلوك داخل بعض المؤسسات، ما يجعل الإبلاغ أكثر صعوبة، خاصة في ظل ثقافة اجتماعية قد تلوم الضحية بدلًا من حماية حقها “.
مسئولية المؤسسات الإعلامية
وأضافت الحمادي:” من حق أي متدربة العمل داخل بيئة مهنية آمنة، ورفض أي سلوك غير مهني، إضافة إلى حقها في تقديم شكوى والاحتفاظ بالأدلة المتعلقة بأي تجاوز”.
كما حمّلت المؤسسات الإعلامية جزءًا من المسؤولية، مؤكدة أن تجاهل الشكاوى و غياب الأنظمة الواضحة قد يخلق بيئات عمل غير آمنة، يضعف ثقة المتدربات بالمؤسسات نفسها.
وفي الوقت الذي تتزايد فيه أعداد الفتيات المقبلات على المجال الإعلامي، تتصاعد المطالب بوجود سياسات حماية أكثر وضوحًا، ومدونات سلوك مهنية، وآليات تضمن بيئة تدريب آمنة لا تضطر فيها المتدربات إلى الاختيار بين الحفاظ على كرامتهن أو خسارة الفرص التي انتظرنها طويلًا.

