بشرى الغيلي – نسوان فويس
تتزّين أرياف محافظة حجة وتتلألأ جبالها ووديان الشرفين الخضراء مع أولى قطرات الغيث، في مشهدٍ آسرٍ يخطف الألباب.
هناك تقف الطبيعة شاهدة على جمالها الأخضر، وحقولها الغنّاء، وتستيقظ معها تفاصيل إرث عميق وعادات ريفية متجذّرة تتوارثها الأجيال حتى اليوم.
إذ لا تكتفي المرأة في ريف حجة ومديريات الشرفين بابتكار طقوس الفرح، بل تعيشها كامتداد حيّ لروح الجدّات؛ حيث يغسل المطر شقاء الأيام العجاف، ويُحيي مشاهد التكافل الأصيل. وبين مسارات هذا السحر الماطر، حضرت “نسوان فويس” لتشارك النساء لحظات الغيث، وتوثّق ذاكرة شفوية نابضة بالحياة، راصدةً للعالم كيف تحفظ المرأة في حجة هوية أرضها، وتنسج من قطرات السماء سيمفونية صمود وانتماء لا تندثر.
بعض المعتقدات التي ارتبطت بالمطر حرص الجدّات على إلزام الفتيات بتغطية رؤوسهن أثناء العواصف، استناداً إلى اعتقاد متجذر بأن إظهار الشعر قد يعرّضهن لخطر الصواعق، فيكنّ أكثر حذراً حتى ينتهي المطر
المعتقدات والبرق
تترافق مواسم الأمطار والعواصف الرعدية مع إحياء معتقدات وعادات شعبية تتوارثها الأجيال، حيث تمتزج المخاوف الفطرية بوصفات الجمال التقليدية. أم وسام تسرد في حديث لـ”نسوان فويس” بعض لمحات المعتقدات هذه، مشيرةً إلى أن من بعض المعتقدات التي ارتبطت بالمطر حرص الجدّات على إلزام الفتيات بتغطية رؤوسهن أثناء العواصف، استناداً إلى اعتقاد متجذر بأن إظهار الشعر قد يعرّضهن لخطر الصواعق، فيكنّ أكثر حذراً حتى ينتهي المطر.
ولا تقف الحكايات عند حدود الخوف؛ إذ توضح أم سام كيف تتسابق الفتيات لجمع( البَرَد) لتمريره تحت العينين إيماناً بفاعليته في إخفاء الهالات السوداء. كما تفرض الجدّات تغطية المرايا، ومنع تمشيط الشعر، وحظر فتح الكتب والمجلات، لاعتقاد شعبي يرى في اللون الأبيض للأوراق عامل جذب للصواعق.
فيما تستحضر “أم بسمة” من المحابشة ذاكرة الأمس، حيث كان المطر عيداً تتجمع فيه نساء الحي لغسل المفروشات وسط ضحكات تحوّل المشقة إلى “تعبٍ حلو”، إذ ترتبط تلك اللحظات بالدفء ورائحة أطباق “الهريش” و”العصيد” و”قهوة الجمر” المُعدة في جمنة طينية. وتختتم بمرارة: “اليوم، رغم توفر وسائل الراحة، فقدنا تلك الروح الجماعية التي كانت تجعل من المطر حياةً، ومن التجمعات البسيطة وطنًا دافئًا “.
شاي المطر ليس مجرد مشروب… بل طقس يحمل نكهة الأرض والسماء معاً” إذ تتجاوز قيمته الطعم إلى كونه لحظة تلاقي بين الأجيال، تختزن ذاكرة المكان وتعيد إنتاجها في تفاصيل يومية بسيطة

شاي المطر
حين تجود السماء بقطراتها، تستيقظ منظومة متكاملة من الطقوس، فيتحوّل المطر إلى موسم للفرح الجماعي والحرص في آنٍ واحد. تأخذنا التربوية “أم ماريا” في جولة عبر طقوس الشرفين، واصفةً حركة نسوية نشطة لجمع مياه المطر. ومن أبرز هذه الممارسات “البريكة”، وهي خزانات صغيرة تُملأ بمياه الغيث لتكون وقفاً للمساكين طوال العام.
وتتحوّل اللحظات التي تلي المطر إلى ورشة عمل كبرى لغسل المفروشات على أسطح المنازل، لتُرسم لوحة بانورامية من الألوان تحت زخات المطر.
ولأن للمطر طعماً لا يُضاهى، تتفنن النساء في تصفية مياهه لإعداد “شاي المطر”، الذي يتم تحضيره من ماء نظيف يُعرف بـ”كرع”، ليمنح رشفاته نكهة خاصة. وبينما كانت الجدّات يحتفين بالخبز الساخن مع السمن البلدي، تفضّل فتيات اليوم احتساء “النسكافيه” خلف النوافذ، في صورة تعكس التحول بين الأجيال.
أناشيد المطر
تفتح “نبيلة مراد” من الشاهل نافذة على تفاصيل دافئة، تبدأ بمشهد الأطفال العائدين مرددين أهزوجتهم الشهيرة: “المطر والسيل جانا.. يا عجوز خبي عشانا”. بهذا النداء، تستنفر الأمهات لإعداد وجبات تقليدية دافئة مثل “الزوم” و”الفتة” و”الهريش”.
ومع صفاء البرك، تبدأ دروس السباحة الفطرية للأطفال باستخدام أدوات بسيطة مثل دبة فارغة تُربط على ظهورهم، لتتحول البرك إلى مسابح طبيعية.
وتضيف نبيلة: “حين يحل الظلام ويزحف الضباب (الشميلي)، يظهر الكرم الريفي بإرسال وجبات الطعام لعابري السبيل، ثم تلتف الأسرة حول جمر التنور لسماع حكايات الجدّات”. لكنها تتحسر قائلة: “تلك الحكايات كانت تجمعنا، واليوم فرّقتنا شاشات الهواتف”.
رحلات الوديان
لا تنتهي الحكاية داخل المنازل؛ فمع تدفق الغيول، تنطلق النساء في رحلات جماعية إلى الوديان مثل الهرناعة والمعاين للاستجمام، بينما يحتفل الرجال برقصة “البرع”.
وتصف “سيناء شانع”، ربة بيت، المطر بأنه “باب فرج”، حيث تمتلئ المواجل وتتحول إلى مسابح طبيعية، ويخرج الأهالي للاستمتاع بطبيعة وصفتها بـ”الأجواء الباريسية”.
أما “أم غازي” فتستعيد معاناة البحث عن الماء في أيام الجفاف، قبل أن يتحوّل المطر إلى عيد “يغسل عن أجسادنا شقاء الأيام الجافة، وتمنحنا راحة ننسى بها كل تعبنا”، تضيف أم غازي.

“الدفرة” هي مبادرة تطوعية لنقل الماء للمسنات أيام الجفاف، و”الجايش”، وهو عادة عُرفية يهبّ فيها الرجال لإعادة بناء المنازل المتضررة من الأمطار، وتشاركهم النساء في إرسال موائد الطعام، مؤكدة أن هذه الممارسات كانت تعكس عمق التضامن الاجتماعي
التواب الشعبية
في كحلان الشرف، تروي أم محمد طقوس “التواب”، وهو ابتهال جماعي تطلب فيه النساء الغيث، يُشبه الاستعداد لضيف عزيز، يرفعن فيه أصواتهن: “يا تواب توب علينا.. وارحمنا وانظر إلينا.. يا الله اسقي العجماء، عاطشة للماء، جاوعة للمرعى”، وما إن يهطل المطر حتى تتحول المنطقة إلى جنة خضراء.
وتتذكر ابتسام الذيباني روح التكافل القديمة مثل “الدفرة” وهي مبادرة تطوعية لنقل الماء للمسنات أيام الجفاف، و”الجايش”، وهو عادة عُرفية يهبّ فيها الرجال لإعادة بناء المنازل المتضررة من الأمطار، وتشاركهم النساء في إرسال موائد الطعام، مؤكدة أن هذه الممارسات كانت تعكس عمق التضامن الاجتماعي.
أغنية وذاكرة
في مدرجات الشرفين الخضراء، وُلدت أغنية “مطر مطر” للفنان أيوب طارش، مستلهمة من لحظة عابرة تحوّلت إلى ذاكرة خالدة. فقد التقط الشاعر الراحل حسن الشرفي مشهدًا إنسانيًا بسيطًا لنساء يركضن بحثًا عن مأوى من المطر، ليحوّله إلى صورة شعرية نابضة بالحياة، أصبحت لاحقًا جزءً من الوجدان اليمني.
وحول خلفية تلك القصيدة، يقول محمد غالب، شخصية اجتماعية، لـ”نسوان فويس” إنه من المعروف في ريف حجة أن النساء، ما إن تتلبد السماء بالغيوم، يسرعن الخطى نحو البيوت طلباً للاحتماء. وفي أحد تلك المشاهد، كان الشاعر الشرفي يراقب نساءً يركضن بحثًا عن “مَكَنّة”، أي مأوى يقيهن من المطر، فاستهوى المشهد مخيلته، وصوّر ركضهن بغزلانٍ شاردة، ليكتب مطلع قصيدته التي غناها أيوب طارش لاحقاً في إحدى جلسات “المقيل” بالمحابشة، لتخلد في الذاكرة الشعبية.
كتعبير عن طردية العلاقة بين السماء والأرض، ورسالة محبة ووفاء لروح الشاعر الشرفي والفنان أيوب طارش، اللذين حوّلا ركض “الظباء” تحت المطر إلى سيمفونية موسيقية وإنسانية تتوارثها الأجيال:
“مطر مطر والظِّبَا بينه تدور مكَنّه.. يا ريت وأنا سقيف…”.
ليست مجرد عادات.. بل هوية مجتمع.
هذه التفاصيل ليست عادات عابرة… بل هوية مجتمع كامل” فالمطر في وجدان أهل حجة ليس حدثًا موسميًا، بل امتداد لعلاقة عميقة بين الإنسان وأرضه، تتجلى في كل أهزوجة وطقس وممارسة يومية
المطر كهوية
لا يقتصر الاحتفاء بالغيث في ريف حجة على المشهد النسوي، بل يمتد ليكون ذاكرة حية للمجتمع بأسره، تعكس عمق ارتباط الإنسان بأرضه وتفاصيل حياته اليومية.
وفي هذا السياق، يوثق قطيش أحمد، شخصية اجتماعية من منطقة الجميمة، لـ”نسوان فويس” هذا الارتباط، واصفًا المطر بأنه “موسمُ حياةٍ متجدد، وموروث اجتماعي عميق”. ويستحضر قطيش طقوس الفرح العفوية، حين تتحوّل السيول إلى مدعاة للبهجة رغم هيبتها، وتتردد الدعوات: “مرحبا بالغيث.. هذا سيل رحمة يحيي الأرض ويجبر الخاطر”.
وتكتمل الصورة بفرحة الأطفال وأهازيجهم التراثية: “السيل جانا يا عجوز خَبّي عَشانا”، وابتهالاتهم عند العواصف: “توّاب توّاب، يا رب السلامة”، بينما تتعزز في الداخل طقوس الدفء الأسري حول الأكلات الشعبية التي تجمع أفراد الأسرة.
ورغم تبدل طرق التعبير بين الأمس، حين كان الناس يرددون “الأرض ارتوت”، واليوم مع توثيق الهواتف بعبارة “مطر يفتح النفس”، يؤكد قطيش أن روح الفرح ما تزال ثابتة، وأن هذه التفاصيل ليست مجرد عادات عابرة، بل هوية مجتمع، وعنوان حيّ لارتباط الإنسان بأرضه.

مواسم روحية
ولتعميق البُعد التاريخي والروحي، يرى المهتم بتوثيق التراث الشعبي “أبو محمد” أن المطر في أرياف حجة الخضراء يتجاوز كونه ظاهرة مناخية عابرة، ليغدو “غيثاً إلهياً وموسماً فرائحياً” تتوارث الأجيال طقوسه منذ آلاف السنين.
ويشير إلى الارتباط التاريخي الوثيق بين خصوبة الأرض والمرأة في حجة؛ فمع بشائر السحب الأولى في الماضي، كانت النساء يخرجن بصلوات حمد وابتهالات جماعية، تطورت مع الزمن لتتحول إلى احتفالات زراعية تتخللها “المهاجل”.
ويؤكد أبو محمد أن هذه الأهازيج التي ترددها النساء بتناغم آسر وهنّ يفلحن الطين المبلل، ليست مجرد غناء عابر، بل تمثل “وثيقة تاريخية شفهية وسيمفونية خالدة” تعكس عمق الارتباط الروحي بين عطاء المرأة والأرض.
ويرى أنها تجسيد حيّ لحضارات يمنية قديمة قدّست المطر، لتؤكد في نهاية المطاف أن المرأة كانت وما تزال “صانعة الفرح، وحارسة التراث الذي يُزهر مع كل قطرة غيث.”
ستبقى أهازيج المطر، المفعمة بندى الغيث، محفورة في وجدان المرأة الحجاوية كوثيقة حية للتكافل، تعيد صياغة الفرح من رحم المعاناة.

