يُتقنّ الصنعة ويخسرن الأجر.. حكايات يمنية خلف جدار الاقتصاد غير المرئي

شارك المقال

خديجة خالد – نسوان فويس

تجلسُ على ضوءٍ خافت، تُمرّر خيوطها بدقةٍ فوق قماش الكوافي، تصنع نقوشًا تشبه حكاياتٍ طويلة من الصبر والمهارة. منذ سنوات، تحترف الثلاثينية  “أم محمد” من محافظة لحج صناعة الكوافي والعُزف، مهنة يدوية متوارثة تحفظ تفاصيل الهوية، لكنها لم تعد تحفظ لها كرامة العيش تقول أم محمد لمنصة نسوان فويس.

بين ساعات العمل الطويلة ودقة الصنعة، يبقى المقابل المادي ضئيلاً، لا يعكس حجم الجهد ولا قيمة الحرفة، في واقعٍ تتراجع فيه أسعار العمل اليدوي أمام غياب التقدير وضعف التسويق.

تكشف الشهادات الميدانية عن فجوة واضحة بين ما يقرّه القانون من حقوق، وما تعيشه العاملات في المهن اليدوية على أرض الواقع

قانون على ورق

هذا الوجع الذي تعيشه أم محمد، يضع قانون العمل اليمني رقم (5) لسنة 1995، في مأزق حقيقي. فبينما تؤكد القاضية فائزة با حمدين أن المادة (42) كفلت المساواة الكاملة في الأجور وحماية النساء من الاستغلال، يظل هذا النص حبيس الأدراج أمام واقع “أم محمد” وغيرها.

تشير القاضية إلى فجوة صادمة؛ فمن بين 65 قضية عمالية، لم تصل إلا 6 قضايا فقط من نساء، ما يعكس “عزلة قانونية” تعيشها العاملات اللواتي يجهلن أن حقهن محميّ بنص الدستور.

الواقع المعيشي للعاملات

ولا يتوقف الاستنزاف عند الأجر، بل يمتد للجهد البدني الشاق. ففي الوقت الذي يحظر فيه القانون تشغيل النساء في أعمال ضارة صحياً ويمنحهن إجازة وضع تصل إلى 70 يوماً، مع إضافة 20 يومًا في حالات الولادة القيصرية أو إنجاب توأم. تضطر الشابة “أحداث” -منقشة في لحج- للعمل حتى في أقسى ظروفها الصحية لتوفير لقمة العيش.

تصف “أحداث” معاناتها لـ” نسوان فويس” قائلة: “أجري (يمشي الحال) لكنه غير مستقر، وأحياناً أضطر للتنقل بين المنازل في ظروف صعبة، ورغم أنني خريجة محاسبة منذ 16 عاماً، إلا أنني وجدت نفسي في مهنة لا تعترف بعقود أو تأمينات”.

تكشف الشهادات الميدانية عن فجوة واضحة بين ما يقرّه القانون من حقوق، وما تعيشه العاملات في المهن اليدوية على أرض الواقع.

تقول أحداث، أن طبيعة عملها تفرض عليها الاعتماد على احتياطات شخصية لضمان سلامتها، مثل التأكد من هوية الزبائن وإبلاغ أسرتها بمكان تواجدها، في ظل غياب أي مظلة حماية رسمية. ورغم ذلك، لا ترى في الدعم القانوني أولوية، بل تعبّر عن رغبتها في الحصول على وظيفة مستقرة.

المخلافي: نقص الوعي القانوني لدى الحرفيات، إلى جانب الضغوط الاجتماعية التي تنظر لعمل المرأة كـ “مساعدة” وليس نشاطًا اقتصاديًا مستقلاً، يسهمان في قبول شروط عمل غير عادلة

من المسؤول عن الفجوة

هذه “العشوائية” في الحقوق يفسرها الدكتور أحمد حمود حاتم المخلافي، وكيل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، بأن المهن الحرفية تندرج ضمن “القطاع غير الرسمي” أو “الاقتصاد غير المرئي”.

يؤكد المخلافي لـ “نسوان فويس” أن الإشكالية ليست في غياب القانون، بل في غياب “العقد” الذي يثبت العلاقة المهنية، موضحًا أن سلاسل التوريد غير المنصفة تلتهم أرباح النساء.

يقول: “يعمل الوسطاء على تقليص دخل الحرفيات بفرض أسعار مجحفة، مستغلين نقص الوعي القانوني وضغوط المجتمع التي تنظر لعمل المرأة كمجرد مساعدة وليس نشاطًا اقتصاديًا مستقلًا”.

انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM
انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM

أين يختفي العائد؟

من جانبها، ترى فتحية أرشد، مديرة جمعية تنمية وتمكين المرأة، أن الحل يبدأ من الانطلاق التسويقي لهؤلاء النساء. فالحرفيات في الأرياف البعيدة ينتجن جودة عالمية، لكن غياب الأسواق المخصصة والمعارض الدائمة يعمق الفجوة الاقتصاديّة، ويجعلهن خارج دائرة التأثير المباشر.

وتوضح أن النساء يعملن في طيف واسع من المهن، تشمل الخياطة والتطريز والنقش، إلى جانب الصناعات الغذائية كالألبان والمخللات والمربيات، فضلًا عن الحرف المرتبطة بإعادة التدوير وصناعة المنتجات اليدوية المختلفة.

وتؤكد أن هذه الأنشطة تمثل مصدر دخل مهم للنساء، لكنها تواجه تحديًا كبيرًا في التسويق.

وتشير إلى أن غياب أسواق مخصصة أو قنوات فعّالة لترويج منتجات النساء يؤدي إلى ضعف انتشارها، خاصة في المناطق الريفية البعيدة عن المدن، حيث تظل العديد من المنتجات ذات جودة جيدة لكنها غير معروفة.

وبينما تحظى بعض الحرف، مثل النقش والخياطة، بفرص أفضل نسبيًا، تبقى معظم العاملات خارج دائرة التسويق الفعّال، ما يعمّق الفجوة بين الجهد المبذول والعائد الاقتصادي.

ملخص مرئي قصير للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM

الاقتصاد غير المرئي

ويرجع المخلافي أسباب هذه الفجوة إلى عدة عوامل، أبرزها الطبيعة غير الرسمية للعمل، حيث تعمل الكثير من النساء دون عقود أو تسجيل قانوني، ما يصعّب إثبات العلاقة المهنية أو المطالبة بالحقوق.

كما يشير إلى ضعف الرقابة على المشاريع الصغيرة والحرفية، مقابل تركيز التفتيش على الشركات الكبيرة، ما يترك هذا القطاع دون حماية فعلية أو آليات شكوى واضحة.
ويضيف أن نقص الوعي القانوني لدى الحرفيات، إلى جانب الضغوط الاجتماعية التي تنظر لعمل المرأة كـ “مساعدة” وليس نشاطًا اقتصاديًا مستقلاً، يسهمان في قبول شروط عمل غير عادلة.

كما تلعب سلاسل التوريد غير المنصفة دورًا في تقليص دخل النساء، حيث يفرض الوسطاء أسعارًا مجحفة دون التزامات قانونية، في ظل غياب التنظيمات الجماعية التي تمثل الحرفيات وتعزز قدرتهن التفاوضية.

هل يكفي القانون وحده؟

وفيما يتعلق بالحلول، يشدد المخلافي على ضرورة إدماج القطاع غير الرسمي ضمن الاقتصاد المنظم عبر تسهيل تسجيل الحرفيات وربطه بمزايا مثل التمويل والتدريب والحماية القانونية، إلى جانب توسيع نطاق الرقابة ليشمل سلاسل التوريد كافة، وإنشاء قنوات شكوى آمنة.

كما يدعو إلى تكثيف حملات التوعية القانونية، ودعم إنشاء جمعيات وتعاونيات للحرفيات، وتمكينهن من الوصول المباشر إلى الأسواق عبر منصات رقمية ومعارض محلية، فضلًا عن توفير تمويل صغير وتدريب عملي على إدارة المشاريع والتسعير.

ويخلص إلى أن معالجة هذه الفجوة تتطلب بيئة متكاملة تجمع بين الوعي، والتنظيم، والرقابة، والتمكين الاقتصادي، مؤكدًا أن “القانون وحده لا يكفي ما لم تتوفر آليات تضمن تطبيقه على أرض الواقع”.

أرشد: غياب أسواق مخصصة أو قنوات فعّالة لترويج منتجات النساء يؤدي إلى ضعف انتشارها، خاصة في المناطق الريفية البعيدة عن المدن، حيث تظل العديد من المنتجات ذات جودة جيدة لكنها غير معروفة

تنتهي خيوط “أم محمد” بانتهاء الكوفية، لكن معاناتها تبدأ عند عرضها للبيع. هي معادلة مختلة؛ حقوق واضحة في نصوص القوانين، وتحديات قاسية في واقع الحرفيات.

تمكين هؤلاء النساء لا يحتاج لمواد قانونية جديدة، بل لآليات رقابة تخرج مهنهن من العتمة إلى النور، ولجمعيات تعاونية تحميهن من تغول الوسطاء. فبدون بيئة تضمن تطبيق القانون، ستظل “أم محمد” وزميلاتها يتقنّ الصنعة.. ويخسرن الأجر.

مقالات اخرى