ريم الفضلي – نسوان فويس
“كلمة وحدة تسببت لي بصدمة وأمراض مزمنة”، هكذا استهلت سعاد محمد ( اسم مستعار) معاناتها التي بدأت في شهور حملها الأولى بطفلها البكر، حين لجأت إلى بيت أهلها بعد خلاف مع زوجها، ظنًا منها أنها ستجد السند.
“كان رد أهلي، وأنا آتية لطلب الحماية والمساندة، بمثابة صدمة العمر؛ تسببت لـ لي بأمراض في الجهاز الهضمي، علاوة على الانهيار النفسي، الذي عشته، بعدها صارت إهانة زوجي لي وعدم مسؤوليته أمام أولادنا، أهون من الجحيم والخذلان الذي وجدته في بيت أهلي”
خذلان مزدوج.. بين بيتين
تتحدث سعاد بصوت يملؤه الانكسار لـ “نسوان فويس”: “كنت حامل في البداية، وحصلت مشكلة مع زوجي فهربت إلى بيت أهلي، وبدلاً من أن يقفوا معي، نهوني، وأجبروني على العودة إلى زوجي دون أن يسمعوا لي حتى.”
لم تتوقف معاناتي عند هذا الحد، فمع كل اعتداء جديد عليّ منه، كان رد أهلي يزداد قسوة: “في المرة التي مد يده عليّ فيها، اتصلت بأهلي أستغيث، فكان ردهم: (إيش نسوي لك؟!) ”
” كان رد أهلي، وأنا آتية لطلب الحماية والمساندة، بمثابة صدمة العمر؛ تسببت لي بأمراض في الجهاز الهضمي، علاوة على الانهيار النفسي، الذي عشته، بعدها صارت إهانة زوجي لي وعدم مسؤوليته أمام أولادنا، أهون من الجحيم والخذلان الذي وجدته في بيت أهلي “.
في حين كانت حنان ناصر (اسم مستعار)، ضحية للتهديد المستمر والإهمال، وعندما قررت الفرار مع طفلها، واجهت صدمة غير متوقعة في منزل طفولتها.
تقول لـ ” نسوان فويس”: “طلبوا مني إعادة ابني إلى والده فورًا، صدقتهم ظنًا مني أنهم أدرى بمصلحتي، لكنني بدأت أسمع كلمات جارحة منهم، واتهموني بأنني السبب في كل ما يحدث “.
وتضيف بمرارة: “عندما جاء زوجي ليرجعني، سلموني له بكل سهولة وكأنني حمل ثقيل يريدون التخلص منه. وعندما تكرر العنف ولجأت إليهم مجددًا، استقبلتني أخواني بسخرية قائلين: أجئتِ لتأخذي ثياب العيد لكِ ولابنك؟). رأيت ابني يتأثر وينهار نفسيًا من هذا التشتت، فقررت أنني لن أطرق باب أهلي مرة أخرى مهما حدث؛ صحيح أن ما أعيشه في بيت زوجي مرّ، لكن ما عشته هناك كان جحيماً لا يطاق”.
في ظل الأزمات المتلاحقة التي تعصف بالنسيج الاجتماعي اليمني، تبرز قضية العنف الأسري كواحدة من أعقد القضايا المسكوت عنها. إذ ألقت قضية فتاة حجة ، التي ألقت بنفسها من الدور الثالث في منزل أهلها، الضوء على واحدة من أصعب القضايا التي تعاني منها المرأة في اليمن. حيث تقف الأعراف والثغرات في القانون اليمني حجر صد أمامها لنيل أبسط حقوقها والعيش في بيئة آمنة.
فتاة حجة لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة. إذ تقف نساء قد واجهن العنف مرتين: مرة من شريك الحياة، ومرة من الخذلان في المكان الذي اعتبرنه “الملاذ الأخير” في ظل الأزمات المتلاحقة التي تعصف بالنسيج الاجتماعي اليمني، تبرز قضية العنف الأسري كواحدة من أعقد القضايا المسكوت عنها، وأكثرها تجذراً في عمق المجتمع. حيث أعادت مأساة فتاة حجة، تسليط الضوء على الواقع المرير الذي تكابده المرأة اليمنية جراء سطوة الأعراف والقصور القانوني ووقوفهما حجر عثرة أمام نيل حقوقها الأصيلة في العيش بكرامة وأمان.
ملخص مرئي قصير للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM
صفقات زواج على حساب الكرامة
الكثير من المشاكل السوسيولوجية والنفسية تعصف بالعديد من الزيجات في اليمن، وفي طريقها تتحول المساحات التي من المفترض أن تكون آمنة إلى بيئات طاردة أو معنِّفة للمرأة في كثير من الأحيان.
في هذا الصدد أشار أستاذ علم الاجتماع بمركز الدراسات والبحوث اليمني، الدكتور عبد الكريم قاسم، في حديث لـ “نسوان فويس” إلى أن الوضع الاقتصادي محرك رئيس للعنف: “يدفع الفقر والحاجة الاقتصادية الكثير من الأسر لممارسة العنف ضد النساء، بوصفهن الحلقة الأضعف، إذ تنظر بعض الأسر لبناتهن كأنهن سلع للبيع والشراء، دون النظر إلى مدى وجود التوافق الفكري أو الفارق العمري.”
وأضاف أن هذا الإجبار يوّلد “زواجاً يحمل بذور فشله بداخله”، حيث تنتهي هذه العلاقات بصراعات زوجية وفشل في تلبية الاحتياجات النفسية والجسدية، مما يدفع الزوج لممارسة العنف. وأضاف الدكتور قاسم بأسى: “المأساة الكبرى تكمن في أن الكثير من الأهالي، الذين يفترض أنهم الملاذ البديل، قد يتعاملون مع الأبنة الهاربة إليهم من عنف زوجها، بوصفها عبء، خاصة إذا كانت بلا دخل، وبالتالي يُمارس عليها ضغط شديد للعودة إلى بيئة العنف خوفاً من التبعات المادية للطلاق.”
نوال محسن (اسم مستعار)، أم لطفلة وعاملة، خاضت هي الأخرى صراعاً دام لسنوات مع زوجها، الذي لم يكن ينفق عليها وعلى طفلتهما، استطاعت في نهايته من الحصول على الطلاق.
نوال كانت قد استنفدت كل سبل الحل قبل إصرارها الأخير على الانفصال، إذ اضطرت تواجه العديد من عبارات اللوم والإساءة من والدها الذي كان يصفها بالناشز، مع كل محاولة منها لإصلاحه أو إشراك أهلها في الضغط عليه لتسويه وضعه، إلى أن استطاعت أخيراً الحصول على الطلاق، وتحقيق الاستقلال عن أهلها لتربية طفلتها في بيئة آمنة وصحية، نتيجة استقلالها المادي.
قصة نوال والكثير ممن تم استغلال قضية النفقة ضدهن كسلاح اقتصادي للّي ذراعهن، رغم استحقاقهن للنفقة بعقد صحيح وعلى الرغم من تمكينهن لأزواجهن، تعكس قصور قانوني في إنصافهن.
في سياق متصل تقول المحامية والناشطة الحقوقية، تهاني الصراري، أن المرأة لا تعتبر ناشزاً إذا رفضت العودة إلى بيت الزوجية لوجود ضرر مثل الضرب، أو انعدام الأمان، أو عدم صلاحية المسكن، أو حتى امتناع الزوج عن الإنفاق، وأكدت في حديث لـ”نسوان فويس” وجود فجوة بين النص والتطبيق: “هناك تفاوت في التقدير القضائي، حيث يتم حل القضايا في أحيان كثيرة، وفق الأعراف الاجتماعية والضغط على الطرفين للتراضي، إضافة إلى أن بطء الإجراءات يساهم أيضا في تفاقم الخلافات، وتضرر النساء على وجه التحديد”.
“عندما فاض بي الكيل، صرخت في وجهه طالبة الطلاق، فاستجاب لطلبي على الفور، حينها لجأت إلى بيت أهلي طلباً للأمان، لكن بمجرد وصولي وإخبارهم بما حدث، انقضّ أخي عليّ وعنفني جسدياً أمام والدي وبقية إخوتي، ثم سارع بالاتصال بزوجي قائلاً له: عد فوراً، ولن تنال منا إلا ما يرضيك”
سطوة العرف وتشويه مفهوم “الطاعة”
عانت صفاء صالح (اسم مستعار) من تعنيف جسدي ونفسي جسيم، من قبل زوجها وأخيها على حدٍ سواء: “غادرت منزلي في مدينة زنجبار بمحافظة أبين متوجهة إلى قرية أهلي في ضواحي المحافظة، بعد أن ضقت ذرعاً بالتعنيف اللفظي والنفسي المستمر من زوجي وتهديداته المتكررة بالطلاق” تقول صفاء لـ “نسوان فويس”.
وتضيف: “عندما فاض بي الكيل، صرخت في وجهه طالبة الطلاق، فاستجاب لطلبي على الفور، حينها لجأت إلى بيت أهلي طلباً للأمان، لكن بمجرد وصولي وإخبارهم بما حدث، انقضّ أخي عليّ وعنفني جسدياً أمام والدي وبقية إخوتي، ثم سارع بالاتصال بزوجي قائلاً له: عد فوراً، ولن تنال منا إلا ما يرضيك”. وتستكمل حديثها بنبرة يملؤها الانكسار: “في تلك اللحظة شعرت أنني وحيدة تماماً في هذا العالم، فسلمت أمري لله، ومنذ ذلك الحين ومعاناتي تتكرر بلا نهاية”.
وتعليقاً على هذه الظاهرة، يرى الدكتور قاسم أن المجتمع التقليدي اليمني يسيء استخدام المفاهيم الدينية والاجتماعية لتكريس سلطة الفرد، موضحاً أن “الأعراف السائدة تُحور مفهوم ‘الطاعة’ لتبرير التسلط الذكوري، وهذا التبرير تحول لغطاء تُمرر نتيجته جرائم إيذاء وتعنيف وانتهاكات كثيرة، دون أدنى محاسبة اجتماعية أو قانونية”.

قصور قانوني يفاقم المعاناة
وعلى الرغم من أن المادة (41) من قانون الأحوال الشخصية اليمني لعام 1992 كفل للزوجة حقوق واضحة أهمها: توفير مسكن ملائم وعدم التعرض لها جسدياً أو معنوياً أو المساس بمالها، إلا أن مفهوم “الطاعة” استُخدم لسنوات طويلة كأداة ضغط وتخويف.
وهو ما فندته الصراري، مؤكدة أن “الطاعة في القانون اليمني تعني التزام الزوجة بالعيش في مسكن شرعي مناسب وتمكين الزوج من حقوقه المشروعة، وليست صكاً للعبودية أو الطاعة المطلقة؛ فهي مقيدة بانتفاء الضرر، وفي حال اختل شرط الأمان أو كرامة المرأة، يسقط فوراً موجب الطاعة، فالقانون لا يشرعن الإهانة أو العنف تحت أي مسمى”.
القانون يربط الحقوق بانتفاء الضرر المتبادل، وليست الشكوى من الزوج إساءة، بل هي حق أصيل للزوجة عند حاجتها لطلب الحماية أو فسخ عقد الزواج للضرر، مع الإقرار بوجود ثغرات قانونية تتطلب معالجة عاجلة، لاسيما غموض تعريف ” النشوز” في النصوص الحالية، وغياب معايير دقيقة لتقدير حجم الضرر، فضلاً عن ضعف آليات الحماية العاجلة للنساء المعنفات
وانتقدت الصراري المفاهيم المغلوطة التي تصور بأن خروج المرأة من المنزل يُعد ” نشوزاً ” في كل الحالات، مضيفة: “القانون يربط الحقوق بانتفاء الضرر المتبادل، وليست الشكوى من الزوج إساءة، بل هي حق أصيل للزوجة عند حاجتها لطلب الحماية أو فسخ عقد الزواج للضرر، مع الإقرار بوجود ثغرات قانونية تتطلب معالجة عاجلة، لاسيما غموض تعريف ” النشوز” في النصوص الحالية، وغياب معايير دقيقة لتقدير حجم الضرر، فضلاً عن ضعف آليات الحماية العاجلة للنساء المعنفات”.
الندوب غير المرئية: آثار تتجاوز الجسد
يقدر صندوق الأمم المتحدة للسكان في اليمن أن 6.2 مليون امرأة وفتاة تعرضن لخطر العنف القائم على النوع الاجتماعي في 2025، مع زيادة مخاطر الزواج المبكر بسبب الأزمة. لا يترك العنف، من الزوج والأهل، كدمات على الجسد فحسب، بل يورث اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD). بحسب الدكتور عبد الكريم قاسم. محذراً من اضطرابات خطيرة قد تلاحق المعنفات. مشيراً إلى أن هناك حالات تعاني من كوابيس، انعزال، وتدني حاد في تقدير الذات نتيجة ‘الوصمة’ التي تشعر بها المعنفة.
وكشف قاسم عن أنماط متكررة في العيادات النفسية، مثل نوبات الهلع والإغماء عند مشاهدة حوادث مشابهة، مؤكداً أن “اليأس قد يصل ببعض النساء إلى فقدان الرغبة في الحياة، مما يرفع من مخاطر الانتحار”.
في هذا الصدد يتضح أن الحماية تتطلب مسارين متوازيين: تغيير الوعي المجتمعي لتفكيك الأفكار المغلوطة، ومن ثم إصلاح المنظومة القانونية لضمان تطبيق العدالة بعيداً عن ضغوط العرف.
وهو ما يقتضي وجود رؤية متكاملة للحل تتجاوز مجرد الوعظ، مثل إقرار قوانين رادعة تجرّم العنف الأسري صراحةً، بالتوازي مع إنشاء أقسام شرطة نسائية تضم وحدات خاصة تديرها مجندات لضمان السرية والمهنية، وهو ما أكده الدكتور قاسم.
كما شدد على أهمية التمكين الاقتصادي كحل جذري يمنع استغلال المرأة أو إجبارها على البقاء في بيئة عنيفة، مع ضرورة توفير خطوط ساخنة مجانية وآمنة لطلب المشورة والتبليغ، موضحًا أن إعادة بناء الأمان داخل الأسرة تتطلب شجاعة الاعتراف بالخطأ من المعتدي، والتوقف عن لوم الضحية، واللجوء إلى المتخصصين في المشورة النفسية.
بدورها وجهت الصراري نصائح عملية لكل امرأة تواجه نزاعاً أسرياً، حيث ركزت على ضرورة التوثيق المبكر عبر جمع الأدلة والتقارير الطبية والشهود فور وقوع الانتهاك، وأهمية توثيق الشروط المشروعة في عقد الزواج منذ البداية لضمان الحقوق، بالإضافة إلى عدم التأخر في طلب المشورة القانونية لفهم أدوات الحماية المتاحة؛ مشيرةً إلى أن النص القانوني يمنح حماية نسبية، لكن المعركة الحقيقية تكمن في قدرة المرأة على الإثبات وكسر حاجز الخوف من الإجراءات القضائية.

