سميرة عبد اللطيف – نسوان فويس
لم يكن قرار “سعاد” – 45 عاماً- وهو اسم مستعار، بالزواج مجرد بحث عن شريك، بل كان محاولة لترميم شروخ غائرة في وجدانها تعود لسنوات طويلة. خَلف قناع “الأم القوية” التي واجهت الترمل بصلابة لسبع سنوات، يختبئ انكسار قديم عاشته في كنف زواجها الأول؛ تجربة مريرة لم تعرف فيها معنى الإنصاف العاطفي منذ أن تزوج زوجها الراحل بأخرى.
تقول سعاد لـ “نسوان فويس”: “شعرت بانفصال عاطفي منذ لحظة زواجه بامرأة ثانية.. صمتُّ وتحملت لأجل أطفالي فقط، بينما كانت مشاعري تموت تدريجياً”.
غياب الإنصاف النفسي
بعد رحيل الزوج، انغمست سعاد في تربية أبنائها السبعة، مستندة إلى استقرار مادي في منزلها المكون من طابقين. لكن مع كبر الأبناء واستقلالهم، بدأ الفراغ يتسلل إلى حياتها. حين تعرفت على شاب يصغرها بعشر سنوات، شعرت لأول مرة بالتقدير الذي افتقدته عقودًا، لكن هذا النصيب اصطدم بجدار صلد من الموروثات التي تُغلّف حق المرأة بكلمة “عيب”.
ورغم أن قانون الأحوال الشخصية اليمني يجعل رضا المرأة شرطاً أساسياً، ويمنحها حق اللجوء للقاضي في حال “العضل” (منع الولي للمرأة من الزواج بكفء دون سبب شرعي)، إلا أن سلطة العرف في قصة سعاد كانت أقوى من نصوص القانون.
الزواج مقابل كل شيء!
واجهت سعاد رفضاً قاطعاً من أبنائها، ليس دافعه الخوف عليها، بل الخوف من “كلام الناس”. وُضعت الأم أمام مقايضة هي الأقسى من نوعها: الزواج مقابل التنازل عن كامل ممتلكاتها.
تصف سعاد تلك اللحظة: “قالوا لي: إن أردتِ الزواج، فتنازلي عن كل ما تملكين.. ووقعتُ على الأوراق”.
لم تكن الخسارة مادية فحسب، بل شملت “حضن أطفالها الصغار” الذين بقوا في رعاية عائلة والدهم كأداة ضغط أخيرة لإخضاعها.
تؤكد سعاد بغصة: “لم يكن تخلياً عنهم، بل كان الثمن الوحيد الذي قُبل مني مقابل حقي في الحياة”.
ذاكرة مجتمعية قصيرة
ما يؤلم سعاد هو حقيقة أن المجتمع نسي سنوات كفاحها السبع كأرملة بمجرد إعلان قرارها، تقول: “سمعتُ كلاماً لم أتوقعه؛ نسي الجميع عمراً ضاع لأجلهم، وحاكموني على قرار يخصني وحدي”.
مقايضة الحق بالحق
لم تكن قصة سعاد حالة فردية، بل هي مرآة تعكس واقعاً تعيشه نساء أخريات وجدن أنفسهن أمام خيار “الحق مقابل الحق”. ابتسام (اسم مستعار)، واجهت سيناريو مشابهًا حين قررت الارتباط برجل اختاره قلبها، لتصطدم برفض أشقائها الذي لم يكن نابعاً من مصلحتها، بل من “فارق العمر”.
اضطرت ابتسام في نهاية المطاف إلى التنازل عن نصيبها من الميراث لأشقائها، كـ “ثمن” لانتزاع موافقتهم على الزواج.
تقول لـ “نسوان فويس”: اعترض إخوتي بشدة لأن زوجي يصغرني بخمس سنوات، لكنني صمدتُ أمام ضغوطهم لأنني أؤمن أن العمر مجرد رقم، وأن السكينة لا تُقاس بالسنوات، حتى لو كان الثمن هو التخلي عن حقي الشرعي في الميراث».

هل يحمي القانون مقايضة الحقوق؟
من جانبه، يوضح المحامي فؤاد الكوكباني أن الممارسات التي تعرضت لها سعاد وابتسام تقع في المنطقة الرمادية بين الجهل بالقانون واستغلال العرف. فمن الناحية الشرعية والقانونية، يُعتبر منع المرأة من الزواج بكفء ترضاه دون سبب شرعي عضلاً، وهو ما يعطيها الحق في نقل الولاية إلى القاضي.
ويؤكد في حديثه لـ “نسوان فويس”: أن التنازل عن الميراث أو الممتلكات مقابل الموافقة على الزواج هو إجراء يشوبه الإكراه المعنوي، مشيرًا إلى أنه في حال إثبات أن التنازل كان مشروطًا بانتزاع حق إنساني كالزواج، يمكن الطعن فيه قانوناً.
أما فيما يخص الحضانة، يوضح الكوكباني أن القانون اليمني رغم أنه قد ينقل الحضانة في حال زواج الأم، إلا أنه يضع “مصلحة المحضون” فوق كل اعتبار، وقد يقرر بقاء الأطفال مع أمهم إذا ثبت أن مصلحتهم تقتضي ذلك، أو إذا كان البديل غير مؤهل.
ازدواجية المعايير
من جهتها، ترى الأخصائية الاجتماعية مروة أحمد أن هذه الحالة تجسد “المعايير المزدوجة” في اليمن.
وتقول لـ “نسوان فويس”: “يبارك المجتمع زواج الرجل بمن تصغره بعقود، بينما يُشن هجوم لاذع على المرأة إذا فعلت المثل.”
وتضيف: هذه الأحكام نابعة من موروثات تربط قيمة المرأة بالوظيفة البيولوجية والخدمة، وتتجاهل كيانها كإنسان له تطلعات عاطفية.
وتواصل أحمد أن المجتمع يرفض استقلالية القرار الأنثوي، مما يعرض النساء لعنف مجتمعي يهدف لإعادتهن إلى مربع التضحية الصامتة.
سعاد وابتسام ليستا إلا نموذجاً لعشرات اليمنيات اللواتي يخضن حروباً في غرف مغلقة؛ بين الأسرة والمحيط والموروث. وفي حين ينجح بعضهن في انتزاع حقوقهن بـ “أثمان باهظة”، ينسحب البعض الآخر بصمت. ليبقى السؤال: إلى متى ستظل كرامة المرأة رهينةً لـ “مطرقة العيب” وسلطة المال؟

