بشرى الغيلي ــ نسوان فويس
تشهد الساحة الإعلامية في اليمن تسرباً متصاعداً للكوادر النسائية من غرف الأخبار، في ظاهرة تعكس حجم التحولات القاسية التي فرضتها تداعيات الصراع والانهيار الاقتصادي.
لم يعد ترك الصحفيات اليمنيات لمهنة الصحافة مجرد حالات فردية، بل أصبحت ظاهرة تعكس نزيف مهني حاد نتيجة تحوّل بيئة العمل إلى مساحة محفوفة بالمخاطر والاستقطاب السياسي.
لم يعد انسحاب الصحفيات اليمنيات من المهنة قرارًا فرديًا أو تحولًا طبيعيًا في المسار المهني، بل نتيجة مباشرة لبيئة إعلامية تتقاطع فيها الضغوط الأمنية والاقتصادية والاجتماعية لتدفع كثيرات إلى الصمت أو الانسحاب
الخوف الذي يدفع إلى الانسحاب
وقفت أمام منزلها في أحد أحياء صنعاء، لا كصحفية في مهمة ميدانية، بل كشاهدة على قصة انقطاع قسري عن المهنة.
استقبلتني (س. أ. د) بابتسامة متعبة، وما إن بدأ الحديث حتى استعادت شيئًا من شغفها القديم.
تقول لـ “نسوان فويس”: “كنت أركض خلف الأخبار، لكن الكلمة تحولت إلى خطر”.
حتى عام 2017، كانت ( س.أ. د) تعمل بنشاط داخل صالات التحرير، قبل أن تتوقف بشكل مفاجئ. لم يكن الانهيار المؤسسي وحده السبب، بل إن محاولتها الاستمرار جلبت ضغوطًا من نوع مختلف، حيث وصلت التهديدات إلى عائلتها.
تضيف: “لم تكسرني التهديدات… كسرني خوف أهلي وكلام الناس”.
لم يكن القرار قرارها بالكامل، بل نتيجة مباشرة لضغوط عائلية فرضت عليها الانسحاب. وبينما كانت تتحدث، بدا واضحًا أن ما خسرته لم يكن وظيفة فقط، بل مساحة كاملة كانت تمارس فيها ذاتها.
ملخص صوتي للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM
بالنسبة لكثير من الصحفيات، لم يكن الخطر في المهنة وحدها، بل فيما تجرّه عليهن من خوف وضغط عائلي واجتماعي، يجعل الاستمرار في الصحافة أقرب إلى معركة يومية مع المحيط كله
مصادرة الصوت المهني
في مكان آخر، جلست صحفية سابقة على مقعد خشبي في حديقة عامة، تتحدث عن تجربتها داخل إحدى الصحف الرسمية.
تقول لـ “نسوان فويس”: “لم يكن الراتب هو المشكلة… بل مصادرة صوتي”.
في تلك الغرف المُغلقة تحوّلت الصحافة من رسالة إلى عملية تعليب للمواقف السياسية وكل قصة اجتماعية حاولت نقلها اصطدمت بجدار سياسة تحريرية صارمة تفرض عليها كتابة ما يملى عليها لا ما تراه عينها.
تحدثت بانفعال “كيف أعمل في صحيفة رسمية وأنا عاجزة عن صياغة تقرير حر يحترم ضميري يحترم عقل القارئ “. كان أمامها خيارين: إما أن تكون مجرد صدى لسياسة إعلامية منحازة، أو تصمت، فاختارت الأخير وعادت إلى بيتها حماية لمبادئها المهنية.
بيئة عمل طاردة
تصف الأكاديمية والصحفية المعتزلة ياسمين الجمالي واقع الصحافة في اليمن بأنه بيئة “سامة”، مشيرة إلى أن قرارها ترك المهنة لم يكن وليد لحظة، بل نتيجة تراكمات طويلة.
وتقول الجمالي في حديث لـ “نسوان فويس”: ” البحث عن الاستقرار النفسي والاقتصادي كان أحد الأسباب الرئيسية لابتعادها عن العمل الصحافي، وهو بالفعل ما وجدته لاحقًا في العمل الأكاديمي”.
ورغم ابتعادها عن الصحافة لأكثر من 14 عامًا، لا تزال تحتفظ بأمل العودة، لكن بشروط مختلفة، أهمها وجود بيئة تحترم الكلمة وتمنح مساحة حقيقية للكتابة.
لم تعد الأزمة محصورة في ضعف الرواتب أو تدهور المؤسسات الإعلامية، بل اتسعت لتشمل مصادرة الصوت المهني، وغياب الحماية، وتصاعد التنمر والترهيب، ما جعل المهنة نفسها بيئة طاردة للنساء
غياب الحماية المهنية
من زاوية أخرى، تشير الدكتورة سامية الأغبري، أستاذ الصحافة في جامعة صنعاء، إلى أن العوامل الاقتصادية والمهنية تلعب دورًا حاسمًا في هذا النزيف.
وتوضح أن الصحافة، خاصة الإلكترونية، لم تعد توفر دخلًا مستقرًا، في ظل انتشار نظام العمل بالقطعة، ما يجعل الاستمرار في المهنة غير ممكن لكثير من الصحفيات.
وتنوه الأغبري أثناء حديثها لـ”نسوان فويس” إلى غياب الدور الفاعل لنقابة الصحفيين، وتجميد نشاطها، ما يترك الصحفيات دون غطاء قانوني أو مهني يحميهن من الانتهاكات، إضافة إلى الأعباء الأسرية التي تضاعفت خلال سنوات الأزمة والتي ألقت بثقلها على المرأة عمومًا ومن ضمنهن الصحافيات.
ملخص مرئي قصير للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM
الخطر الأمني والرقمي
يضع مصطفى نصر، رئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، البعد الأمني في صدارة أسباب هذا الانسحاب الصامت.
ويشير في حديث خاص لـ “نسوان فويس” إلى أن الصحفيين في اليمن دفعوا ثمنا باهظًا من الاعتقال والتعذيب والتشريد خلال السنوات الماضية، ما خلق حالة من الخوف داخل الوسط الإعلامي، ودفع ما لا يقل عن 60% من الصحفيات لترك المهنة تمامًا، بما في ذلك العاملات في وسائل الإعلام الرسمية التي توقفت رواتبها.
وإلى جانب ذلك، أفرز التحول نحو الإعلام الرقمي تحديًا جديدًا يتمثل في التنمر؛ حيث أظهرت دراسة للمركز أن 72% من الصحفيات تعرضن للتنمر وحملات التشهير، مما أجبر الكثيرات على الانزواء وتجميد نشاطهن على شبكات التواصل، خاصة مع وجود قيود اجتماعية تعيق انتقال الصحفيات أو نزوحهن بحثًا عن فرص آمنة للعمل.

أرقام تكشف حجم الأزمة
تواجه الصحفيات في اليمن معركة قاسية للبقاء في المهنة، حيث تتصاعد ظاهرة التسرب المهني بشكل مقلق تحت وطأة التهديدات والقيود المتزايدة.
تكشف دراسة أصدرها مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي عن أرقام صادمة، إذ لا تتجاوز نسبة النساء العاملات فعلياً في وسائل الإعلام 20%، وهو تراجع حاد يعكس انسحابًا مبكرًا ومستمرًا مقارنة بالأعداد الكبيرة للخريجات من كليات الإعلام.
وبحسب الدراسة يتجلى هذا التفاوت الجندري بشكل أكثر وضوحًا في التمثيل النقابي؛ حيث لا تشكل الصحفيات سوى 11% (بواقع نحو 170 صحفية فقط) من إجمالي قوام نقابة الصحفيين اليمنيين.
يتجاوز دافع هذا الانسحاب مسألة انعدام تكافؤ الفرص في غرف الأخبار، ليصل إلى حد التعرض لانتهاكات مركبة مبنية صراحةً على النوع الاجتماعي.
من جهتها توثق المنظمة الوطنية للإعلاميين اليمنيين (صدى) تصاعداً خطيراً في الانتهاكات التي تستهدف النساء تحديداً، مثل حملات التشهير والابتزاز الإلكتروني، وهو ما يفرض على الصحفية رقابة ذاتية قاسية، أو يدفعها مكرهة لاعتزال المهنة كلياً حماية لنفسها وعائلتها.
وإلى جانب هذه التحديات المروعة، تُظهر دراسة لمنظمة دعم الإعلام الدولي (IMS) أن القيود الأمنية والبيروقراطية المفروضة على حرية التنقل جعلت مهام التغطيات الميدانية والتحقيقات الاستقصائية شبه مستحيلة بالنسبة للمرأة، مما يجبر شريحة واسعة من الكفاءات الصحفية على الانزواء في أعمال إدارية بحتة أو الانسحاب التام، ليُغيب بذلك المشهد العام أصواتاً نسائية بالغة الأهمية.
خروج الصحفيات من المهنة لا يعني فقط خسارة نساء لوظائفهن أو شغفهن، بل يعني أيضًا إفقار المشهد الإعلامي نفسه، وحرمانه من أصوات كان يمكن أن ترى ما لا يُرى، وتروي ما لا يُروى
خسارة في المشهد الإعلامي
ابتعاد الصحفيات اليمنيات عن “مهنة المتاعب” لم يكن يومًا خيارًا طوعيًا ولا ترفًا عابرًا، بل ضريبة فادحة لبيئة مهنية واجتماعية قاسية ضاقت ذرعًا بطموحهن. هذا النزيف المهني لا يُمثل مجرد انتكاسة شخصية لصحفية فقدت منبرها ومورد رزقها، بل هو تغييب قسري لنصف المجتمع، وبترٌ لصوتٍ جوهري لا يكتمل بدونه تشكيل الوعي وصناعة الرأي.
وأمام هذا التحدي الجسيم، تبرز الحاجة الماسة لصحوة مهنية ومجتمعية تتدارك هذا الخلل، وتعمل بجد لاستعادة هذه الأقلام المهاجرة، وتأسيس بيئة عمل صلبة وآمنة تصون مسيرة الصحفية وتحمي حقوقها، ما لم سيبقى المشهد الإعلامي اليمني منقوصاً ومختل التوازن ويعاني من أزمة حرية وأزمة وجود على حدٍ سواء.
الصورة لتدريب نفذه مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي لمجموعة من الصحفيات اليمنيات

