نساء اليمن والعمل الرقمي فرصة بلا ضمانات

شارك المقال

إكرام فرج – نسوان فويس 

في بلد تقلصت فيه فرص العمل التقليدية بفعل الحرب والانكماش الاقتصادي، تتجه أعداد متزايدة من النساء اليمنيات إلى سوق العمل الرقمي كبديل واقعي لكسب الدخل.

من الترجمة والتصميم الجرافيكي، إلى إدارة المحتوى، التعليم الإلكتروني، إدخال البيانات، وصناعة الحملات التسويقية يتشكل اقتصاد نسائي موازٍ ينمو بصمت خارج أي إطار تنظيمي واضح.

 

تواجه النساء في الفضاء الرقمي تحديات مضاعفة، أبرزها غياب حماية قانونية من الاستغلال أو الاحتيال الإلكتروني، وعدم وجود تشريعات واضحة لتنظيم هذا النوع من العمل، هذا الواقع يدفع كثيرات منهن إلى التخفي وتقليل الظهور المهني خوفاً من التشهير أو الابتزاز أو الاستهداف

التحول الإجباري رقمياً

لم يكن توسع النساء في العمل الرقمي خياراً كامل الحرية، بل جاء استجابة لظروف قسرية فرضتها الحرب، فبعد إغلاق العديد من الصحف الورقية وتراجع المؤسسات التقليدية، وجدت كاتبات المحتوى والصحفيات أنفسهن أمام واقع مهني جديد قائم بالكامل على التكنولوجيا، كما تروي الصحفية أسماء محمد (اسم مستعار) لمنصة نسوان فويس.

قبل الحرب كانت أسماء تعمل في الصحف الورقية، لكنها منذ عام 2017، اضطرت للانتقال كلياً إلى الصحافة الإلكترونية، ورغم صعوبة هذا الانتقال اكتسبت مهارات جديدة في الصحافة الرقمية وصحافة البيانات، وشاركت في تدريبات متخصصة عززت قدراتها التقنية والمهنية، ما وسّع أدواتها المهنية وجعلها تتماشى مع متطلبات العصر الرقمي.

إلا أن هذا التحول جاء مع تحديات معقدة، ومع جائحة كورونا ازداد الإقبال على سوق العمل الرقمي، ما ضاعف المنافسة وقلص فرص الاستقرار المهني، كما أفرز العمل عن بعد شعوراً بالعزلة والإرهاق الذهني نتيجة غياب التفاعل المباشر.

تواجه النساء في الفضاء الرقمي تحديات مضاعفة، أبرزها غياب حماية قانونية من الاستغلال أو الاحتيال الإلكتروني، وعدم وجود تشريعات واضحة لتنظيم هذا النوع من العمل، هذا الواقع يدفع كثيرات منهن إلى التخفي وتقليل الظهور المهني خوفاً من التشهير أو الابتزاز أو الاستهداف.

 

من قلب التجربة المهنية

أميرة المهدي مصممة جرافيكس ومسوقة إلكترونية، بدأت العمل أثناء دراستها الجامعية داخل شركة تسويق، لكنها تركت الوظيفة لاحقاً نتيجة ما تصفه بـ”الاستغلال المهني”، لتؤسس شركتها الخاصة مع مجموعة من الصديقات. 

تقول لـ “نسوان فويس”: إن السوق اليمني لا يزال لم يستوعب مفهوم التسويق الرقمي رغم نتائجه، ما يجعل إدارة الحملات وكتابة المحتوى وإدارة حسابات العلامات التجارية تحديًا مستمراً.

من جهتها اختارت هديل مساراً مختلفاً داخل الفضاء الرقمي، إذ بدأت بنشر محتوى توعوي على منصات التواصل، وطورت مهاراتها في تصميم المواد البصرية وإدارة مجتمع رقمي يقدم دعمًا لمرضى السيلياك.

وترى هديل أن العمل الرقمي منحها مساحة للتأثير المجتمعي، حتى وإن لم يكن هدفها الأساسي مادياً، ما يعكس اتساع رقعة العمل الرقمي النسائي رغم غياب التوثيق الرسمي.

انفوغرافك مولد بالذكاء الاصطناعي حسب بيانات المادة المكتوبة
انفوغرافك مولد بالذكاء الاصطناعي حسب بيانات المادة المكتوبة

التحديات المالية أبرزها ضعف التقدير، كما تشير أميرة واصفة عملها بالجهد المهدر، “تحققي نتائج رائعة للعميل، ثم يجهل قيمتها، والأجر يتأخر أو يضيع، وأحياناً تضطرين لمقايضة العمل بالإنتاج للحصول على مستحقاتك”.

وتكشف عن حالات استغلال تعرضت لها، من راتب لم يدفع منذ عام 2022 إلى تمويل حملات لم تُسدّد حتى اليوم، ما يضع النساء في موقع هش في سوق يفتقر للاعتراف بقيمة العمل الرقمي.

هديل تتبع نهجاً أكثر حذراً، بكتابة اتفاقيات واضحة، وطلب دفعات مسبقة، وتوثيق جميع المراسلات، لكنها تؤكد أن الحماية تظل محدودة في ظل غياب جهة تنظيمية، ما يعكس هشاشة الوضع القانوني والاقتصادي للنساء في هذا القطاع.

هشاشة مضاعفة في الفضاء الرقمي

رغم ما يوفره العمل الرقمي من فرص للمشاركة الاقتصادية، إلا أنه يكشف عن هشاشة قانونية واضحة، وغياب قوانين فعالة لحماية العاملات يجعل الانتهاكات مثل عدم الدفع، الابتزاز، وحملات التشهير تمر دون مساءلة، ويزيد ضعف الوعي القانوني لدى النساء من حجم المشكلة، كما تشير أسماء محمد.

تضيف أميرة المهدي أن بعض الجهات تفضل التعامل مع النساء لأنهن أقل ميلاً للمطالبة بحقوقهن، ما يضعهن في موقع هش تتقاطع فيه القيود القانونية مع الضغوط الاجتماعية، وفي كثير من الحالات، تختار النساء الصمت أو الانسحاب بدلاً من خوض نزاعات قضائية مكلفة ومعقدة.

 

يوضح المحامي مختار الجمرة أن القانون اليمني يعتمد على نصوص قديمة من التسعينيات، لكنه قابل للتطبيق على التعاملات الرقمية من خلال الاجتهاد القضائي، حيث يمكن اعتبار العقود الإلكترونية والمراسلات قرائن أو إقرار إذا لم ينكرها الطرف الآخر، مع سلطة تقديرية واسعة للقضاء

منطقة رمادية

حتى الآن لا يوجد قانون يمني واضح ينظم العمل الحر الرقمي أو يعترف بالعقود الإلكترونية، ولا توجد آلية رسمية للفصل في النزاعات عبر الإنترنت.

تلخص أميرة المشكلة بقوله “اللجوء للقضاء يحتاج فلوس وأنا ما عندي فلوس لها”، فيما تشير هديل إلى أن ضعف القانون والوعي القانوني لدى النساء يزيد من تعقيد المسألة.

وترى هديل أن الحلول الفردية مثل توثيق المراسلات، وتأمين الحسابات، وطلب دفعات مسبقة أصبحت ضرورة لحماية النفس، لكنها لا تغني عن الحاجة إلى إطار قانوني واضح ينظم العمل الرقمي.

هذا الفراغ التنظيمي يجعل آلاف النساء يعملن في منطقة رمادية، بلا حماية تعاقدية أو ضمانات مالية أو آليات مساءلة واضحة.

يوضح المحامي مختار الجمرة أن القانون اليمني يعتمد على نصوص قديمة من التسعينيات، لكنه قابل للتطبيق على التعاملات الرقمية من خلال الاجتهاد القضائي، حيث يمكن اعتبار العقود الإلكترونية والمراسلات قرائن أو إقرار إذا لم ينكرها الطرف الآخر، مع سلطة تقديرية واسعة للقضاء.

في حالات امتناع العملاء عن دفع المستحقات، يمكن للنساء اتباع الإجراءات القضائية المعتادة، مع اختلاف المدة والتكلفة بحسب الوقائع، كما يمكن إخضاع الابتزاز والتشهير الإلكتروني للنصوص العامة في قانون الجرائم والعقوبات، ومواد السب والقذف، وبعض مواد الصحافة والمطبوعات. يقول مختار.

رغم التحديات، أحدث العمل الرقمي تحولاً ملموساً في حياة كثير من النساء، فهو يوفر مصدر دخل مستقل لكنه يأتي على حساب الحياة الاجتماعية، كما تقول أميرة، أو على حساب الراحة الذهنية كما تشير هديل.

تؤكد أسماء أن الضغوط لا تقتصر على عبء العمل، بل تشمل التنمر الرقمي وحملات الاستهداف، ما يستدعي سن قوانين توفر بيئة عمل أكثر أماناً للنساء.

هذا الاقتصاد الرقمي الناشئ يمثل تمكيناً صامتاً للنساء، لكنه يتشكل خارج إطار الدولة ويظل محفوفاً بالمخاطر، ما يجعل الحاجة إلى تنظيم قانوني وآليات حماية واضحة أمر ملح لضمان ألا تتحول مساحة التمكين إلى منطقة مخاطرة مفتوحة.

مقالات اخرى