متابعات – نسوان فويس
لم يكن الإعلان عن الحكومة الجديدة مجرد إجراء سياسي روتيني، بل جاء كإعلان عن مرحلة جديدة من “الواقعية السياسية” التي تعترف بالكفاءة النسائية كضرورة لا كمالية. بتعيين ثلاث نساء في حقائب وزارية نوعية، تدخل اليمن عهداً جديداً تقوده شخصيات نسائية جمعت بين التحصيل الأكاديمي الرفيع والخبرة الميدانية التي صقلتها سنوات الحرب والأزمات.
نستعرض هنا المسيرة المهنية لـ “وزيرات التغيير” اللواتي يقع على عاتقهن عبء ملفات وطنية ثقيلة:

أفراح الزوبة: “مهندسة التنمية” وأول امرأة في التخطيط السيادي
تُعد أفراح الزوبة سابقة تاريخية في الحكومات اليمنية، فهي أول امرأة تكسر احتكار الرجال لحقيبة “التخطيط والتعاون الدولي”، وهي وزارة سيادية تقع في قلب محرك الدولة الاقتصادي.
الخبرة والميدان: بخبرة تتجاوز ربع قرن، تُعرف الزوبة بأنها خبيرة “الحوكمة وبناء الشراكات”. برزت قوتها الإدارية كمدير تنفيذي لجهاز تسريع استيعاب تعهدات المانحين، حيث أدارت علاقات معقدة مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بنجاح لافت.
المسار الوطني: لم تكن بعيدة عن صناعة القرار الكلي، فقد شغلت منصب نائب الأمين العام لمؤتمر الحوار الوطني وعضو لجنة صياغة الدستور، مما جعلها تمتلك رؤية شاملة لشكل الدولة المستقبلي.
التأهيل العلمي: تجمع بين علوم الصيدلة (بكالوريوس – جامعة صنعاء) وإدارة الأعمال (ماجستير – صنعاء) والاقتصاد الصحي (ماجستير – ماليزيا)، مما يمنحها قدرة فريدة على إدارة ملفات التنمية من منظور اقتصادي وإنساني متكامل.

إشراق المقطري: “حارسة الحقوق” من ساحات القضاء إلى الوزارة
بإسناد حقيبة “الشؤون القانونية” للقاضية والمحامية إشراق المقطري، وضعت الحكومة شخصية حقوقية “صلبة” في مؤسسة تشريعية وتنفيذية حساسة.
المسيرة الحقوقية: على مدار عقدين، كانت المقطري صوتاً لا يهدأ في الدفاع عن النساء والأطفال. ومنذ عام 2015، شغلت منصب الناطق الرسمي وقاضي التحقيق في اللجنة الوطنية للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان، حيث واجهت بشجاعة ملفات الانتهاكات الأكثر تعقيداً.
الأثر الميداني: خلفيتها في منظمة “أوكسفام” مكنتها من الإشراف على فرق قانونية نجحت في تحرير أكثر من ألف امرأة محتجزة، مما يعكس إيمانها بأن القانون ليس مجرد نصوص، بل أداة للإنصاف.
التأهيل العلمي: تحمل ليسانس الشريعة والقانون من جامعة صنعاء، وماجستير في القانون العام من جامعة أسيوط، وهي مدربة إقليمية معتمدة في آليات حماية حقوق الإنسان.

الدكتورة عهد جعسوس: “رائدة التمكين” وصوت النساء المؤسسي
يأتي تعيين الدكتورة عهد جعسوس وزيرة دولة لشؤون المرأة في لحظة فارقة، ليعيد لهذه الحقيبة فاعليتها المؤسسية بعيداً عن التمثيل الرمزي.
الخبرة الإدارية: تنحدر الدكتورة عهد من صلب العمل الحكومي والمجتمعي، حيث تدرجت في المناصب من إدارة مشاريع الهيئة العامة للتأمينات إلى إدارة برامج تنمية المرأة العاملة وصندوق الرعاية الاجتماعية في عدن.
بناء السلام: عملت كمنسقة لليونيسف ومسؤولة مشاريع دولية، وتخصصت في ملفات الحماية الاجتماعية ومناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، مما يمنحها قبولاً واسعاً في الأوساط المحلية والدولية.
التأهيل العلمي: تحمل درجة الدكتوراه في إدارة الأعمال (2022) وماجستير التسويق من جامعة عدن، وهي خبيرة معتمدة في التخطيط الاستراتيجي وبناء السلام.
الرهان على الكفاءة لا الكوتا
إن وجود الزوبة والمقطري وجعسوس في هذه التشكيلة ليس مجرد “تجميل” لصورة السلطة، بل هو استحقاق مهني تأخر كثيراً. الرهان اليوم ليس على جنس الوزير، بل على قدرة هذه الكفاءات على تحويل الوزارات إلى مؤسسات خادمة للمواطن، والبدء في ترميم ما أفسدته سنوات النزاع. تظل هذه الخطوة “بارقة أمل” بأن الكفاءة اليمنية، وبالأخص النسائية، هي القادرة على صياغة ملامح المرحلة القادمة بكثير من الحكمة والقانون والتنمية.

