دولة الحصباني – نسوان فويس
تتآكل فرص العمل، وتتراجع شبكات الأمان الاجتماعي، للحد الذي لم تعد فيه المشاريع النسوية الصغيرة مجرد محاولات لتحسين الدخل، بل تحولت إلى أشكال يومية من المقاومة الاقتصادية، وإلى مساحات لإعادة بناء الثقة بالذات والقدرة على الاستمرار. بالنسبة لكثير من النساء، لم يعد امتلاك حرفة أو مهارة خيارًا إضافيًا، بل وسيلة للبقاء الكريم، ولتحويل القلق المعيشي إلى حلول عملية تُنتج من الواقع لا خارجه.
من هنا، تكتسب مشاريع مثل مشروع “ثلاث خوات” قيمتها المعنوية قبل الاقتصادية، بوصفها نماذج حية تلهم نساء أخريات لامتهان الحِرف، واستثمار المهارات، وبناء مسارات مستقلة وسط اقتصاد مأزوم.
لم يكن الافتتاح الرسمي (لثلاث خوات) في يناير 2025 مجرد حدث تجاري، بل إعلانًا عن مشروع منظّم يحمل هويتهن الخاصة، ويعكس قدرة النساء على تحويل الشغف إلى بنية اقتصادية صغيرة لكنها قابلة للنمو

حلم كبير.. بداية بسيطة
في مدينة تعز، حيث تتقاطع الأزمات المعيشية مع محدودية فرص العمل، افتتحت نجاة وفاطمة وياسمين متجرهن المشترك” ثلاث خوات”، تتويجًا لمسار طويل من الصبر والعمل الفردي الذي تحول لاحقًا إلى مشروع نسوي جماعي بإنتاج محلي خالص.
لم يكن الافتتاح الرسمي لثلاث خوات في يناير 2025 مجرد حدث تجاري، بل إعلانًا عن مشروع منظّم يحمل هويتهن الخاصة، ويعكس قدرة النساء على تحويل الشغف إلى بنية اقتصادية صغيرة لكنها قابلة للنمو.
هذا الحدث حظي بتقدير الجمعية اليمنية لتشجيع الإنتاج المحلي، التي باركت افتتاح المتجر واعتبرته نموذجًا ملهمًا لدعم وتمكين المرأة وتشجيع الصناعات الحرفية المحلية، مؤكدة أن مثل هذه المشاريع باتت قادرة على منافسة المنتجات الخارجية من حيث الجودة والتنوع، كونها تشكل رافدًا حقيقيًا للاقتصاد المحلي.
مسارات منفصلة.. وجهة واحدة
خلف هذا الإنجاز الذي قد يبدو للبعض ممكناً، قصة أطول وأكثر تعقيدًا، تبدأ من الاشتغالات الفردية التي خاضتها كل واحدة من الأخوات الثلاث كلٍ على حده، قبل أن تلتقي تجاربهن تحت سقف واحد.
نجاة، المتخصصة في صناعة الملابس وتصميمها حسب الطلب، تتعامل مع المشروع الناشئ بوصفه فعلًا إبداعيًا يوميًا، يتطوّره مع الوقت والممارسة، ويتحول بالتدريج من هواية بسيطة إلى شغف مهني متكامل، إلى جانبها، شقّت فاطمة طريقها في عالم العطور والبخور، وتصنيع خلطاتها الخاصة بصبر ودقة، حيث تتعامل مع الذائقة العطرية كماركة شخصية قبل أن تكون منتجًا معروضًا للبيع، أما ياسمين، فقد وجدت شغفها في تصميم الحقائب وإعادة تدوير الحقائب القديمة، مانحة المواد المستهلكة حياة جديدة بروح فنية مبتكرة، تعكس حسًا جماليًا ووعيًا متزايدًا بأهمية الاستدامة.
ثلاث تجارب مختلفة، لكنها متكاملة، اجتمعت لاحقًا في مشروع واحد لا يقدّم منتجات فقط، بل يروي تجربة نسوية قائمة وناجحة عن العمل المشترك، وعن إمكانية تحويل المهارات المنزلية والهوايات الفردية إلى قاعدة إنتاج حقيقية، قادرة على الوقوف في السوق والمنافسة والاستمرار.
واجهنا تحديات كثيرة أولها كان صعوبة الحصول على متجر بوسط المدينة، نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار الإيجارات، فيما كانت إمكانياتنا جداً بسيطة، مقابل منافسة كبيرة من مشاريع أخرى لديها رأس مال يمكنها من التفوق المكاني علينا بمراحل

من الهوايات إلى المشروع
تروي نجاة لـ “نسوان فويس” حكاية البداية بصوت هادئ وواثق، قائلة: ” كل واحدة منا انطلقت من مشروعها بشكل فردي، وكانت هذه المشاريع المنفردة لكل واحدة منا مجرد هوايات شخصية محببة لنا، لكنها مع الوقت والممارسة وحب العمل تحولت إلى شغف حقيقي، ثم إلى مشروع يسعى للنمو والتطوير”.
وتشير نجاة إلى أن الأدوار توزعت بينهن بشكل طبيعي، فكل واحدة تولت إدارة مشروعها الخاص، وعملت على إنجاحه وتطويره بأفضل ما تستطيع، قبل أن تنضج الفكرة وتتحول إلى مشروع مشترك يجمعهن في مكان واحد. وكانت المشاركة في البازارات التي ينظمها اتحاد نساء اليمن داخل محافظة تعز محطة مفصلية في هذه الرحلة، إذ أسهمت في بناء الخبرة، واختبار السوق، والتعرّف على ذائقة الزبائن، وتحويل المنتج من عمل منزلي محدود إلى سلعة قابلة للعرض والتسويق والمنافسة.
الاستمرار كإنجازٍ قائم بذاته
لكن الطريق لم يكن سلسًا، تقول نجاة: ” واجهنا تحديات كثيرة أولها كان صعوبة الحصول على متجر بوسط المدينة، نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار الإيجارات، فيما كانت إمكانياتنا جداً بسيطة، مقابل منافسة كبيرة من مشاريع أخرى لديها رأس مال يمكنها من التفوق المكاني علينا بمراحل” .
وبخصوص التمويل، فتقول نجاة بصراحة:” لم نجد أي دعم من أي جهة، وكان اعتمادنا على الإمكانيات الشخصية فقط”، مؤكدة أن المشروع قام على جهود ذاتية خالصة، بلا قروض ولا منح ولا رعاية مؤسسة، وهو ما جعلنا أكثر حرصاً على اليومي، الذي كنا نعتبره إنجازاً بحد ذاته، ولا يقل أهمية عن الافتتاح أو تحقيق الأرباح.
لكن نجاة لا تغفل دور الأسرة في منحهن الدافع والحافز للمضي قُدماً: ” حضور أمي لحظة افتتاح المتجر لم يكن مجرد حضور شكلي أو عابر، بل تجسيداً رمزيًا لسنوات من العمل الصامت والدعم غير المرئي الذي غالبًا شكّل طريقنا ورؤيتنا ومشروعنا ووقف معه حتى أصبح ماثلاً على الأرض”.
السوق يستقبل.. والطلب يتزايد
“منذ الأيام الأولى للافتتاح كان الإقبال جيدًا” تقول نجاه، وتضيف:” كما أن بعض المنتجات لاقت رواجًا ملحوظًا، خاصة مع تزامن الافتتاح مع موسم شعبان ورمضان والأعياد، وهو ما منحنا دفعة إضافية للاستمرار والتطوير”.
وتتابع:” مشروعنا يعتمد بشكل كبير على إعادة التدوير، ليس لكونه مجرد خيار اقتصادي متاح، بل لكون هذا الإجراء مفيد بيئياً، إذ نستخدم الموارد للحد من النفايات، وتقليل استهلاك المواد الخام، وتحسين الاستدامة وتقليل التأثير البيئي”.
لكن رغم هذا النجاح النسبي، تؤكد نجاة أن دعم الجمعيات والمؤسسات يبقى أمرًا بالغ الأهمية لاستدامة المشاريع الصغيرة، خاصة مع تزايد الطلب على المنتجات المحلية؛ ” حتى الآن لم نلمس أي دعم من أي جهة مهتمة، لكننا على أمل أن نجد المساندة والدعم في قادم الأيام”.
لا تتوقف طموحات الأخوات الثلاث عند حدود المتجر الحالي. “الخطوة القادمة تتمثل في فتح معامل إنتاج محلي، وتوفير آلات متطورة لتلبية طلبات العملاء المتزايدة، نفكر في التوسع بقوة، سواء عبر البيع الإلكتروني أو الوصول إلى أسواق خارج اليمن بمنتجات محلية تحمل بصمة أيادٍ يمنية” تقول نجاة.
نجاة تختم رسالتها للفتيات والنساء بدعوة واضحة إلى الإيمان بالقدرات وتنمية المواهب والعمل على مشاريعهن الخاصة، مؤكدة أن الوصول إلى الأحلام ممكن بالإصرار والعمل، وأن مثل هذه المبادرات تسهم في تقليص البطالة وتفتح آفاق جديدة للمرأة والمجتمع معًا.

نموذج مشجع للإنتاج النسوي
في السياق ذاته، قال خالد غيثان، القائم بأعمال رئيس الجمعية اليمنية لتشجيع الإنتاج المحلي والمنتجات الحرفية والمشغولات اليدوية، ” متجر (ثلاث خوات) يمثّل نموذجًا مشجعًا للارتقاء بجودة الإنتاج الحرفي النسوي، ويعكس مستوى متقدمًا من الإتقان والذائقة الفنية التي باتت تنافس المنتجات الخارجية الماثلة”.
وأوضح غيثان، في تعليقه عبر صفحته على فيسبوك، أن المتجر يضم ثلاث شقيقات، تتميز كل واحدة منهن بإبداع خاص في مجالها، سواء في صناعة الملابس والمشغولات اليدوية أو العطور والبخور، وهو ما يجعل المشروع مثالًا حيًا على نجاح المبادرات الأسرية النسوية القائمة على الموهبة والعمل الجاد.
ودعا المواطنين إلى زيارة المتجر ودعم منتجاته المحلية، مؤكدًا أن الإقبال على هذه المشاريع يسهم في تمكين المرأة المنتجة، ويعزز ثقافة الاعتماد على المنتج المحلي بدلًا من المستورد.
حين يتحول المشروع الصغير إلى سياسة اقتصادية محتملة
لا يمثل مشروع (ثلاث خوات) حكاية ثلاث شقيقات نجحن في تأسيس مشروعهن فحسب، بل يقدّم نموذجًا حيًا لما يمكن أن تصنعه الإرادة حين تتكئ على الشغف والعمل المشترك في بيئة اقتصادية شديدة الهشاشة، خاصة إذا تعلق الأمر بالمشاريع النسوية، إذ أن كل مشروع نسوي – وإن كان صغيراً- لا يعني فقط دخلًا لأسرة واحدة، بل يعني تقليص لمساحات الفقر والحاجة، وتوسيع لدائرة الإنتاج المحلي، وإعادة ضخ الثقة في قدرة المجتمع على التعافي من القاعدة لا من القمة.
وعلى المدى الأوسع، تمثل مثل هذه المشاريع فرصة حقيقية للدولة أيضًا، عبر تنمية الاقتصاد المحلي، وخلق فرص عمل منخفضة الكلفة وعالية الأثر.

