من البيع في الشوارع إلى سوق منظم: تحوّل نسوي هادئ في عدن

شارك المقال

دولة الحصباني – نسوان فويس

كانت أم هدى تقف لسنوات عند زاوية مزدحمة قرب أحد مستشفيات عدن، تبيع العطور الشعبية والبخور في حقيبة بلاستيكية صغيرة، تعدّ خطوات المارة بقلق أكبر من عدّ الأرباح.

لم يكن البيع في الشارع تحت حرارة الشمس، وهبات الرياح مجرد مهنة، بل اختبارًا يوميًا للأمان والكرامة والقدرة على الاحتمال.

اليوم، تجلس أم هدى داخل كشك خشبي صغير في “سوق الوومن (Women) ” بكريتر، تبتسم وهي ترتب منتجاتها بعناية، كأنها تعيد ترتيب حياتها من جديد.

هذه ليست قصة فردية، بل واحدة من عشرات القصص التي تشكّل ملامح تحوّل نسوي هادئ في عدن، حيث تحاول النساء إعادة بناء علاقتهن بالعمل والمدينة والاقتصاد، عبر مبادرات صغيرة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في أثرها الاجتماعي والنفسي والمعنوي.

السوق كمساحة للنجاة

في بلد تتراجع فيه فرص العمل بفعل الحرب المستمرة منذ قرابة إحدى عشر سنة، تتسع دوائر الفقر، خصوصًا بين النساء المعيلات، للحد الذي لم تعد فيه المشاريع الصغيرة ترفًا تنمويًا، بل آلية بقاء. ومع ذلك، ظل حضور النساء في الأسواق العامة محفوفًا بالخاطر على رأسها المضايقات، غياب التنظيم، انعدام الحماية القانونية، إضافة للتهميش الاقتصادي المزدوج، باعتبارهن نساء وعاملات في اقتصاد بالغ الهشاشة.

من هنا، جاءت فكرة “سوق الوومن” في حي كريتر بمديرية صيرة في محافظة عدن جنوب البلاد، ليس كسوق فقط، بل كمساحة آمنة لإعادة تعريف عمل المرأة في المجال العام. بعد أكثر من شهر ونصف على افتتاحه، يبدو المشروع وقد تجاوز مرحلة التجربة، وانتقل إلى طور التثبيت، كنموذج عملي لتحويل البائعات الجائلات إلى صاحبات مشاريع صغيرة، ولتحويل الهشاشة إلى استقرار نسبي.

تقول شفاء سعيد باحميش، منسقة السوق في مؤسسة بديل للتنمية، في حديثها لـ“نسوان فويس”، إن المشروع انتقل فعليًا إلى مرحلة التثبيت بعد نجاح تجربته الأولى، مؤكدة أن التقديم للمراحل القادمة سيتم عبر الصفحة الرسمية للسوق، ويشمل تعبئة استمارة، ومقابلة شخصية، وتقييم الجاهزية والالتزام.

لكن ما وراء هذا الكلام الإداري المنظم، توجد عملية اجتماعية أعمق: نقل النساء من حالة العمل الفردي المعزول في الشارع إلى فضاء جماعي منظم، قائم على الثقة والتكافل والانضباط، وعلى فكرة أن العمل يمكن أن يكون كريمًا وآمنًا في آن واحد.

من الشارع للكشك

لم يكن الانتقال سهلًا؛ كثير من النساء اللواتي يعملن اليوم في السوق كنّ قبل أشهر فقط بائعات جائلات في المستشفيات أو الأرصفة أو داخل الحافلات، يحملن بضائعهن في حقائب أو صناديق بلاستيكية، ويقايضن الزبائن على الأرصفة، ويواجهن يوميًا أشكالًا متعددة من التحديات والتحرش والضغط الأمني والاجتماعي.

تروي إحدى المشاركات أن أكثر ما تغيّر في حياتها لم يكن حجم الدخل، بل شعورها بالأمان: “كنت أبيع وأنا أنظر خلفي أكثر مما أنظر للزبون. الآن أفتح كشكي وأنا مطمئنة أن مكاني محفوظ، وأن أحدًا لن يطردني أو يساومني على كرامتي”.

هذا البعد النفسي المتعلق بالشعور بالاستقرار والانتماء، هو أحد أبرز التحولات التي أحدثها السوق، حتى قبل قياس العائد الاقتصادي، فالمكان لم يمنح النساء فقط سقفًا وبضاعة، بل منحهن هوية مهنية جديدة كصاحبات مشاريع، لا مجرد بائعات هامشيات.

باحميش: السوق لا يعمل ضمن نشاط تجاري رسمي بسجل تجاري، بل ضمن إطار مشروع مجتمعي منسق مع السلطة المحلية، وأنه لا يوجد تمويل مباشر حاليًا للمشاركات، بل تركيز على بناء القدرات عبر التدريب في الإدارة البسيطة والتسويق، مع التوجه لإدراج برامج تدريب متقدم مستقبلًا

 

كيف وُلدت الفكرة؟

لم تأتِ تجربة “سوق الوومن” من فراغ، بل بدأت كمبادرة مجتمعية عام 2024، بدعم من هيئة الأمم المتحدة للمرأة بالشراكة مع مؤسسة بديل للتنمية، وبالتعاون مع المجلس المحلي بمديرية صيرة، و الطريق إليها لم يكن إداريًا فقط، بل ميدانيًا أيضًا، حيث نزل القائمون على المشروع إلى الأسواق العامة، وتحدثوا مباشرة مع النساء العاملات فيها، واستمعوا لشكاويهن ، وحاولوا إقناعهن بفكرة الانتقال إلى مساحة مخصصة وآمنة. لم يكن الأمر سهلًا، فبعض النساء كنّ يخشين فقدان الزبائن أو عدم القدرة على الالتزام بمكان ثابت.

ومع فتح باب التسجيل عبر استمارات ورقية دون استثناء، تقدمت نحو 60 امرأة، معظمهن بإمكانات بسيطة ودون أي دعم سابق. خضعت المتقدمات لاحقًا لتقييم عبر لجنة مختصة وفق معايير شملت الالتزام بالنزول للسوق، وحضور تدريبات ريادة الأعمال، والوضع المعيشي للأسرة، في محاولة للجمع بين الاستحقاق الاجتماعي والجاهزية العملية.

اليوم، يعمل في السوق نحو 50 امرأة من ذوات الدخل المحدود، بعضهن أرامل، وأخريات نازحات، أو معيلات لأسر كبيرة.

التدريب بدل الإعانات

تؤكد باحميش أن السوق لا يعمل ضمن نشاط تجاري رسمي بسجل تجاري، بل ضمن إطار مشروع مجتمعي منسق مع السلطة المحلية، وأنه لا يوجد تمويل مباشر حاليًا للمشاركات، بل تركيز على بناء القدرات عبر التدريب في الإدارة البسيطة والتسويق، مع التوجه لإدراج برامج تدريب متقدم مستقبلًا.

هذه المقاربة، الاستثمار في المهارة بدل الإعانة، تعبّر عن تحول في فلسفة التمكين نفسها؛ الانتقال من منطق المساعدة المؤقتة إلى منطق بناء مشروع قابل للحياة. فالهدف لم يكن فقط توفير مكان للبيع، بل خلق نموذج يمكن استنساخه وتوسيعه لاحقًا، إذا توفرت الشراكات والدعم المناسبين.

الداعري يقترح ما يسمى بـ “التكاثر الاقتصادي”، بحيث يُطلب من كل مشروع دُعم في سنة ما، أن يساهم في السنة التالية في دعم مشروع آخر من الفئة نفسها الأكثر احتياجًا، بما يخلق دورة تنموية ذاتية مستقلة عن أي اعتماد خارجي. ويؤكد أن المشاريع الصغيرة قد تمثل نحو 12% من الاقتصاد الوطني في حال الاستمرار في دعمها وتشجيعها وتوفير بيئة آمنة لها

 

الاقتصاد الصغير كرافعة

في قراءة أوسع لتجربة “سوق الوومن”، يرى الصحفي الاقتصادي ماجد الداعري أن مثل هذه المشاريع لا ينبغي أن تبقى رهينة المبادرات المجتمعية أو دعم المنظمات، بل يجب أن تتحول إلى سياسة عامة. ودعا الداعري في حديثه لـ“نسوان فويس”، السلطات المحلية إلى تخصيص ميزانيات سنوية ثابتة لدعم المشاريع الصغيرة ضمن الموازنات الرسمية، بدل الاعتماد على القروض البنكية أو التمويل الخارجي.

ويقترح الداعري ما يسميه “التكاثر الاقتصادي”، بحيث يُطلب من كل مشروع دُعم في سنة ما، أن يساهم في السنة التالية في دعم مشروع آخر من الفئة نفسها الأكثر احتياجًا، بما يخلق دورة تنموية ذاتية مستقلة عن أي اعتماد خارجي. ويؤكد أن المشاريع الصغيرة قد تمثل نحو 12% من الاقتصاد الوطني في حال الاستمرار في دعمها وتشجيعها وتوفير بيئة آمنة لها.

كما يشدد الداعري على أهمية تخصيص أسواق خاصة للمشاريع الصغيرة في كل محافظة، بما يضمن حمايتها من المضايقات والمنافسة غير العادلة، ويمنحها الاستقرار اللازم للتحول إلى أعمال منتجة ومستدامة، تمامًا كما تحاول تجربة “سوق الوومن” أن تفعل على نطاق محلي محدود.

السوق مساحة اجتماعية

داخل السوق، لا تُباع السلع فقط، بل تُعاد صياغة العلاقات الاجتماعية. النساء لا يعملن في عزلة، بل ضمن شبكة تضامن غير معلنة، يتبادلن الخبرات، ويتشاركن الزبائن أحيانًا، ويتعلمن من بعضهن أساليب العرض والتسويق والتفاوض.

تعتمد المشاركات بشكل أساسي على التسويق عبر منصات التواصل الاجتماعي، سواء عبر حساباتهن الشخصية أو عبر الصفحة الرسمية للسوق على فيسبوك، التي تُحدّث يوميًا بصور المنتجات والعروض والأسعار. هذا الحضور الرقمي لا يوسع فقط دائرة الزبائن، بل ينقل المشاريع النسوية الصغيرة من الحيز المحلي الضيق إلى فضاء أوسع من الاعتراف والطلب.

وتتنوع المعروضات بين تنسيق الأعراس والخطوبة، والعطور المركزة والبخور المعتق، والجلابيات والمخوّرات الرمضانية، والبجامات والأزياء المنزلية، إلى جانب مشاريع متخصصة في صناعة العطور العدنية والمخلطات الخليجية والبخور العماني، ومعطرات المفارش، وعطور الأطفال، وخدمات تجهيز طلبات خاصة بالعرائس حسب الطلب.

كما تشمل المنتجات زينة رمضان، والإكسسوارات الخفيفة، ومستحضرات العناية الشخصية، والبهارات والعسل واللبان الذكر، والكركم البلدي، ومستلزمات الضيافة الرمضانية، بما يجعل السوق مساحة تجمع بين الاقتصاد المنزلي والهوية الثقافية والاستهلاك المحلي.

أكثر من سوق

ما يحدث في “سوق الوومن” ليس مجرد تنظيم لبائعات جائلات، بل إعادة هندسة صامتة لعلاقة النساء بالاقتصاد الحضري. فحين تنتقل امرأة من الرصيف إلى الكشك، ومن البيع المتقطع إلى المشروع الصغير، فإنها لا تغيّر فقط مكان عملها، بل تغيّر موقعها الاجتماعي، ونظرتها لذاتها، وحدود الممكن في حياتها.

الأثر لا يتوقف عند المرأة وحدها، بل يمتد إلى أسرتها التي تكتسب مصدر دخل أكثر استقرارًا، وإلى أطفالها الذين يشهدون نموذجًا مختلفًا للعمل والاعتماد على الذات، وإلى المجتمع المحلي الذي يستفيد من دورة اقتصادية صغيرة لكنها حقيقية، قائمة على الإنتاج لا المعونات.

تحول المبادرة لسياسة

مع انتقال “سوق الوومن” من مرحلة التجربة إلى مرحلة التثبيت، يبرز السؤال الأهم: هل تبقى هذه التجربة استثناءً جميلًا في مدينة مأزومة وتشهد اضطرابات سياسية حادة، أم تتحول إلى نموذج قابل للتكرار والتوسع؟

بالتأكيد الجواب لا يتعلق فقط بالنساء المشاركات، بل بإرادة السلطات المحلية، وبقدرة المجتمع المدني، وبقناعة صناع القرار بأن التمكين الاقتصادي للنساء ليس قضية حقوقية فحسب، بل رافعة تنموية حقيقية. فكل مشروع صغير مستدام يعني أسرة أقل هشاشة، وسوقًا أكثر حيوية، واقتصادًا محليًا أقل اعتمادًا على المساعدات وأكثر قدرة على التعافي الذاتي.

عدن التي تتربص بها الأزمات، وتنهكها الحرب، يبدو “سوق الوومن” فيها تجربة متواضعة في حجمها، لكنها كبيرة في دلالتها، إذ أن الفرص المقدمة للنساء هناك لا تتوقف عند منحهن مكان ليبعن منتجات فقط، بل ليعرضن نموذجًا جديدًا للحياة، أقل هشاشة، وأكثر استمرارية.

مقالات اخرى