يمنيات يحملن الحياة.. قصص لنساء قهرن الفقر والحرب..

شارك المقال

دولة الحصباني – نسوان فويس 

تتداعى الحياة في اليمن، وتتضاءل فرص البقاء والاستمرار، بسبب الحرب الطويلة، وانهيار الاقتصاد، وتدهور كافة الفرص والخدمات، للمستوى الذي فرض على اليمنيات اللواتي وجدن أنفسهن في معركة غير متكافئة، اقتحام السوق للاشتغال بمهن وحرف لم تكن يوماً ضمن خياراتهن. من الأسواق الشعبية إلى مطابخ المنازل وورش الحِرف البسيطة، تشق نساء كثيرات طرقًا صغيرة لكنها ربما تكون كفيلة بحماية أسرهن من السقوط الكامل في شرك العوز والحاجة، والفشل الأسري التام.

تعلمت الخياطة، لكني لم أمارسها كمصدر دخل إلا تحت ضغط الحاجة، اهتديت لفكرة هذه الحرفة لأنه ممكن أبدأ بأشياء بسيطة ومن البيت، وفي ذات الوقت ممكن أبيع منتوجاتي لمعارف أو جارات بسهولة، لكن بسبب الحالة العامة لعموم الناس كان الإقبال على الشراء متدني للغاية، لذلك اضطررت للخروج والتبسيط في الشارع

الخياطة كخط دفاع أول عن الأسرة

على مقربة من باب اليمن التاريخي بصنعاء، تقف أم محمد خلف بسطتها، التي تحوي حقائب قماشية نسائية مصنوعة يدوياً من القماش أو الجلد، لم تدخل أم محمد هذا العمل بدافع التجارة، بل كان لتراجع دخل الأسرة وارتفاع تكاليف المعيشة إلى الحد الذي لم يعد ممكنًا تحمله. تقول أم محمد لمنصة “نسوان فويس”: ” لم أخرج إلى السوق إلا حين لم يعد في البيت ما يكفي لأيام قليلة”.

“تعلمت الخياطة، لكني لم أمارسها كمصدر دخل إلا تحت ضغط الحاجة، اهتديت لفكرة هذه الحرفة لأنه ممكن أبدأ بأشياء بسيطة ومن البيت، وفي ذات الوقت ممكن أبيع منتوجاتي لمعارف أو جارات بسهولة، لكن بسبب الحالة العامة لعموم الناس كان الإقبال على الشراء متدني للغاية، لذلك اضطررت للخروج والتبسيط في الشارع، بحيث أعمل في الخياطة ليلاً، وفي البيع نهارًا” تضيف أم محمد

وتؤكد أن دخلها متواضع لكنه يغطي الأساسيات: الإيجار، الطعام، ومصاريف الأطفال.

ولا تقتصر التحديات على الجانب الاقتصادي، فوجود النساء في الأسواق ما يزال محفوفًا بضغوط اجتماعية مضاعفة. لكنها تقول ببساطة: “الوضع أقسى من أي اعتبار”. بالنسبة لها، العمل ليس رفاهية، بل ضرورة يومية لتأمين استقرار بيت مهدد دائمًا بالانزلاق نحو العوز.

تبدأ أم عمير تحضير المخبوزات في مطبخها المتواضع فجراً، تعجن وتخبز وتعدّ (الفطير، الكدير، واللحوح) وهي مخبوزات شعبية معروفة، ثم تحمل في رائحتها وطعمها دفء البيت وروح الأصالة اليمنية. وكل قطعة هي هوية الإنسان والأرض، ومفتاح للأمل والتعفف عن مد اليد للغير

استعادة الحياة من كشك صغير

في قلب مدينة التربة، في محافظة تعز، تتداخل أصوات الباعة بأصوات السيارات وضجيج الحياة اليومية التي لا تهدأ، يقف كشك صغير لا يكاد يُرى لولا الرائحة الدافئة التي تنبعث منه: خبز بلدي طازج، وسمن بلدي يفوح برائحة الريف وأصالة المائدة اليمنية.

كشك بسيط، لكنه ليس مجرد نقطة بيع، بل نافذة السيدة أم عمير القدسي إلى الحياة، ومساحة حرب وتحدي صغيرة تواجه منها القدسي- بعزيمة إصرار- تحديات المعيشة في مدينة يكاد يخنقها الحصار والفقر.

تبدأ أم عمير تحضير المخبوزات في مطبخها المتواضع فجراً، تعجن وتخبز وتعدّ (الفطير، الكدير، واللحوح) وهي مخبوزات شعبية معروفة، ثم تحمل في رائحتها وطعمها دفء البيت وروح الأصالة اليمنية. وكل قطعة هي هوية الإنسان والأرض، ومفتاح للأمل والتعفف عن مد اليد للغير.

ومع شروق الشمس، تحمل أم عمير بضاعتها الدافئة، والمعمولة بإتقان وبحب، ماضية نحو السوق، وفي كل خطوة دعوات التوفيق والرزق الحلال الذي يمكنها من مقارعة هموم الالتزامات وديون الإيجار المتراكمة. تصل إلى كشكها، وتفرش بضاعتها بعناية، وكأنها ترتب قطعًا فنية لا مجرد مخبوزات.

في ركنها الصغير، تقف أم عمير بكل شموخ، وبكامل ثقتها بالله، ترتسم على وجهها ابتسامة رضا ثابتة، تخفي خلفها ثقل الهم وضيق الحال.

حين قابلتها “نسوان فويس” سألتها عن سر هذا الكفاح، لم تتحدث عن مشوار التعب اليومي صيفاً وشتاءً، في عز الحر وعز البرد ، بل بكلماتها العفوية البسيطة التي تعكس عظمة الصبر: “أشتغل كل المخبوزات بالبيت، وأقف هنا أطلب الله على نفسي؛ ظروفنا المعيشية صعبة، وعلينا ديون وإيجارات، وكثير من الالتزامات التي لا سبيل لمواجهتها جميعاً “.

بهذه العبارات تكمن جوهر قصة أم عمير؛ المرأة التي تخوض معركتها اليومية في سبيل البقاء، لا بسلاح أو قوة، بل بعزيمة لا تلين ويدين تصنعان من اللقمة، جسر عبور للغد.

تبدأ أم تالين عملية تخليق هدايا وتحف الكونكريت عبر مزج الأسمنت والجبس، ثم إعادة تشكيلهما إلى أشكال وتحف فنية مميزة، قبل أن تضيف لمسات لونية تمنح القطع روحًا جمالية خاصة، والمحصلة أعمالاً مبهرة تجمع بين البساطة والإبداع وتلفت الأنظار لجمال التفاصيل وبديع الصنع

الجمال والعمل في مواجهة البشاعة

تحوّل أم تالين بعض المواد البسيطة كالأسمنت والجبس إلى قطع فنية تنبض بالجمال والإبداع، عبر الكونكريت، وهو فن يعتمد على الأشكال الهندسية، ويقوم على فكرة أن العمل الفني يجب أن يُبنى من عناصر مرئية، وواضحة: خطوط، ألوان، مساحات وأشكال، دون أن يرمز إلى مشاعر أو قصص أو خيال.

بدأت أم تالين رحلتها في هذا المجال من خلال دورة تدريبية أونلاين، حثها على ذلك اهتمامها الدائم بالأشكال المنتجة عبر الكونكريت، وحبها لهذا الفن. أعجبتها فكرة المشروع، وقررت أن تطور مهاراتها، فتعلمت بنفسها أساسيات الكونكريت. وكان لزوجها – حسب تأكيدها – دور كبير في دعمها، مادياً ومعنوياً، مما شجعها على الاستمرار.

هذا الاهتمام والشغف بالكونكريت تطور مع الوقت ليصبح مساحة للتعبير عن الذوق والابتكار. تبدأ أم تالين عملية تخليق هدايا وتحف الكونكريت عبر مزج الأسمنت والجبس، ثم إعادة تشكيلهما إلى أشكال وتحف فنية مميزة، قبل أن تضيف لمسات لونية تمنح القطع روحًا جمالية خاصة، والمحصلة أعمالاً مبهرة تجمع بين البساطة والإبداع وتلفت الأنظار لجمال التفاصيل وبديع الصنع.

وبحسب قول أم تالين لمنصة “نسوان فويس” تمر عملية تصنيع الكونكريت، بعدة مراحل ابتداءً بمزج خليط من الجبس والأسمنت بالنسب المناسبة، ثم التلوين حسب طلب الزبون، يليها إضافة مادة عازلة تحمي اللون والشكل.

شاركت أم تالين بأعمالها الفنية في مؤسسات وجمعيات محلية، ما منحها فرصة التعرف على أفكار جديدة وتوسيع شبكة علاقاتها.

بعد انتقالها إلى صنعاء مع زوجها، واصلت تطوير مهارتها من خلال التدريب والممارسة المستمرة، وتمكنت خلال شهرين فقط من إنتاج مجموعة متنوعة من التحف، شملت المباخر والمزهريات وصحون التقديم وهدايا المناسبات، وهو فن يتطلب مهارة وذوق وصبر عظيم.

وأبرز ما تنتجه أطقم الصحون مع المباخر، والمزهريات، وأحيانًا الشموع. في المقابل تلقى أعمالها إقبالاً واسعًا، ليس فقط لجمالها، بل أيضًا لأسعارها المناسبة.

اليوم، تطمح أم تالين إلى توسيع مشروعها وافتتاح متجر خاص بفن الكونكريت، إلى جانب نقل خبرتها إلى نساء أخريات عبر تدريبهن على هذا الفن، لتكون فرصة لهن لبدء مشاريعهن الخاصة والدخول إلى عالم الإنتاج والإبداع.

تم إنشاء الصورة الرئيسية بواسطة الذكاء الاصطناعي

مقالات اخرى