أمل وحيش _ نسوان فويس
يشهد اليمن وضعًا مأساويًا نتيجة للحرب المستمرة منذ سنوات، وتعد أزمة ارتفاع إيجارات المساكن من المشكلات التي فرضت أعباءً إضافية على المواطنين. حيث يعاني السكان في صنعاء وبقية المحافظات من أزمة سكنية حادة وارتفاع مبالغ في أسعار الإيجارات، مما يفاقم معاناتهم.
يتشارك الرجال والنساء في تحمل هذه الأعباء، إلا أن معاناة المرأة قد تكون أشد، خاصة إذا كانت أرملة أو طالبة أو مطلقة، أو حتى متزوجة ومسؤولة عن أطفال.
الأعباء المالية المضاعفة الناتجة عن ارتفاع الإيجارات، بالتزامن مع انقطاع الرواتب منذ سنوات وتدهور العملة، كلها عوامل جعلت من الصعب على المرأة الحصول على بيئة سكنية صحية وآمنة تناسبها وأسرتها. خاصة وأن هناك العديد من النساء اللاتي يتولين مسؤولية تربية الأطفال ورعاية أسرهن دون وجود عائل.
نازحة
” أم عبدالله “، إحدى النساء المطلقات التي نزحت إلى صنعاء مع أسرتها قبل خمس سنوات، كانت تسكن
في أحد الفنادق مع عائلتها المكونة من خمسة أفراد. في بداية الحرب، كانت تظن أن الحرب ستنتهي سريعًا ويعودون إلى منزلهم، لكن الحرب طال أمدها، ما دفعها للبحث عن شقة للإيجار، حيث واجهت العديد من الصعوبات، أبرزها رفض المؤجرين تأجيرها كونها امرأة وابنها ما يزال طفلاً، ووالدها رجل مسن. وبعد بحث طويل، استطاعت أن تجد شقة صغيرة في أحد الأحياء بصنعاء بإيجار شهري قدره 30 ألف ريال، وبمساعدة أحد أقاربها الذي ضمنها ووقع العقد نيابة عنها استطاعت أن تترك الفندق وتعيش في بيت مستقل.
تنقلت أم عبد الله من منزل إلى آخر بسبب بعد المكان عن عملها و عن الخدمات الأساسية، ولكنها في كل مرة كانت تلاحظ ارتفاعًا غير مسبوق في الإيجارات، وخاصة في بداية عام 2024، حيث لاحظت زيادة مضاعفة في الأسعار، إضافة إلى الشروط التي يضعها المؤجرون مثل مبلغ التأمين الذي قد يتجاوز إيجار شهرين، بالإضافة إلى “دلالة” (إيجار شهر يُدفع للساعي الذي يبحث عن البيوت)، إضافة إلى الضمانة التجارية التي أصبحت حسب قول أم عبد الله، شرطًا تعجيزيًا للحصول على مسكن.
بيئة غير صحية
يعاني العديد من المستأجرين من عدم توفر مساكن صحية وآمنة بسبب جشع بعض ملاك العقارات الذين لم يعودوا يهتمون بصحة الناس بقدر ما يهتمون بالمال. تقول “أخت عمر” إن ارتفاع الإيجارات يعد أمرًا جنونيًا، حيث إنها غادرت منزلها السابق بسبب الرطوبة الشديدة التي عرضتها وأسرتها لأمراض عدة مثل التهابات الجيوب الأنفية ومشاكل في البشرة. وبعد مغادرتها، وجدت ذات المشكلة تتكرر في منزل جديد وبسعر مضاعف، وتقول بانها وقعت ضحية استغلال أحد السعاة الذي حلف لها بأن البيت مشمس وأنه قريب من المواصلات العامة وهو ما جعلها تثق بكلامه وتنقل إلا أنها صدمت بعكس ما قيل لها. ومنذ عام وهي تبحث عن بيت صالح للعيش إلا أنها تنصدم بالأسعار غير المنطقية التي قد تصل في بعض الأحيان إلى 70 و80 ألف ريال لشقة مكونة من غرفتين إلى ثلاث غرف في أحسن الأحوال حد قولها.
وتضيف “أخت عمر” أن أصحاب العقارات بلا ضمير، حيث يبنون المنازل بدون أدنى شروط السلامة أو التهوية، وكل همهم هو المال دون مراعاة لصحة البشر.
المعاناة ذاتها عاشتها “يسرى”، اسم مستعار، طالبة جامعية قادمة من إحدى المحافظات إلى صنعاء للدراسة برفقة شقيقتها، واجهت العديد من المشاكل، أبرزها رفض ملاك العقارات تأجيرهن، مما اضطرهن لاستدعاء أحد إخوتهن إلى صنعاء لتوقيع العقد مع المالك. كما واجهن صعوبة في العثور على منزل مشمس وبسعر يتناسب مع إمكانياتهن المادية. وفي النهاية، قبلت يسرى بالعيش في “بدروم” مكون من ثلاث غرف في إحدى العمارات، لكون سعره مناسبًا مقارنة بما وجدنه في أماكن أخرى وبسعر (50 ألف ريال).
تحليل الأسباب
ارتفاع إيجارات المنازل في اليمن، خاصة منذ بداية عام 2024، يعود إلى مجموعة من العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المتشابكة، وفقًا للباحث والمحلل الاقتصادي (وحيد الفودعي)، الذي تحدث لمنصة “نسوان فويس”. حيث يشير إلى أن تدهور الوضع الاقتصادي يُعد من أبرز الأسباب، فتضخم العملة (أي انخفاض قيمة الريال اليمني أمام العملات الأجنبية) أدى إلى زيادة تكلفة المعيشة، بما في ذلك إيجارات المنازل. كما أن الزيادة في أسعار السلع والخدمات ترتبط بارتفاع تكاليف البناء والصيانة، مما ينعكس بدوره على الإيجارات.
ويضيف الفودعي أن النزوح الداخلي يُعد من أهم العوامل التي ساهمت في زيادة الإيجارات، حيث أدى الصراع المستمر إلى نزوح ملايين الأشخاص من مناطقهم الأصلية إلى المدن الأكثر أمانًا مثل صنعاء وعدن. كما ساهم تراجع مشاريع البناء بسبب ارتفاع أسعار مواد البناء (مثل الإسمنت والحديد) وانخفاض الاستثمارات في قطاع الإسكان، بالإضافة إلى غياب التمويل الحكومي لإنشاء مساكن ميسرة للفئات ذات الدخل المحدود، كما يشير الفودعي إلى أن غياب قوانين فعالة لتنظيم أسعار الإيجارات وغياب آليات لضبط التلاعب بها سمح لبعض الملاك برفع الإيجارات بشكل عشوائي. وكل هذه العوامل أثرت بشكل كبير على الوضع المعيشي للأسرة، حيث اضطر العديد من المواطنين إلى إنفاق جزء كبير من دخلهم على الإيجار، مما يعني تقليص الإنفاق على التعليم والصحة والغذاء. هذه العوامل كانت لها آثار سلبية خاصة على النساء، حيث زاد العبء النفسي والاقتصادي عليهن، لا سيما النساء المعيلات. كما تتعرض النساء لمخاطر اجتماعية، ما قد يضطرهن إلى قبول ظروف معيشية غير آمنة أو العيش في منازل مشتركة، مما يعرضهن للمضايقات.
الحلول الممكنة
وبالنسبة للحلول التي يمكن أن تحد من ارتفاع إيجارات المساكن، يدعو الفودعي إلى تشجيع الاستثمار في مجال الإسكان وتقديم حوافز ضريبية للمستثمرين لبناء مساكن بأسعار معقولة، وكذلك دعم القطاع الخاص لبناء مجمعات سكنية للفئات المتوسطة والفقيرة. كما يشدد على أهمية تفعيل مشاريع الإسكان الاجتماعي المدعومة من الحكومة والمنظمات الدولية، وفرض لوائح تحدد سقفًا للإيجارات وفق معايير مدروسة مع مراقبة الامتثال.
ويعتبر الفودعي أن تحقيق الاستقرار الأمني هو من أهم الحلول. فاستقرار الوضع الأمني، كما يقول، سيعيد السكان إلى مناطقهم الأصلية، مما يقلل من الطلب على المدن الرئيسية، كما يولي الفودعي أهمية لتعزيز سيادة القانون وتفعيل دور قوانين الإيجارات لضمان عدم استغلال الأزمة من قبل الملاك.
ويخلص الفودعي إلى أن ارتفاع الإيجارات في اليمن هو نتيجة لأزمات اقتصادية وأمنية متفاقمة أثرت على الوضع المعيشي للأسرة، وبشكل خاص على النساء، مؤكدًا أن الحلول تتطلب تضافر الجهود الاقتصادية والسياسية للحد من الأزمة وتحقيق توازن بين العرض والطلب في سوق الإسكان.